فن الخطابة و توجيه السياسات

بقلم أبو أيوب

   من روائع الحضارة الإسلامية و الثقافة العربية، بغض النظر عن المسرح و الشعر و الموسيقى، نجد فن الخطابة بلغة سليمة و مبسطة، و التي من مقاصدها و أهدافها جلب سمع المنصت و شد انتباه المتلقي المتتبع، و كلما زاد تطعيمها بآيات بينات من الذكر الحكيم إزداد رونقها و جماليتها، و ازداد معهما شدها و جدبها إقناعا لعقول السامعين .

   كلام مقالنا لهذا اليوم، خلال أيام عيد الفطر السعيد و بعيد أيام معدودات على حدثين تاريخيين مهمين ” القمم العربية الثلاث / إحياء اليوم العالمي للقدس “، و سنخصصه لفن الخطابة من زاوية سياسية استطلاعية للأحداث التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط و الخليج، و قد تكون استباقية للمتوقع المرتقب، على ضوء ما حبلت به خطابات القمم الثلاث و اليوم العالمي .

   ثلاث قمم دفعة واحدة، كنتيجة لغارات سبع طائرات حوثية متفجرة بدون طيار، إلتأمت بدعوة من خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز عاهل السعودية، كم هي جميلة و ذات رنين وقع أجمل صفة ” خادم الحرمين ” التي من المفروض في حاملها، التمكن من لغة القرآن و الإلمام بقواعدها، عوض كلماته المبهمة الغير واضحة و التي أظهرت العكس، فعدم تمكنه من لغة دينه جعله محط سخرية و ازدراء تناولتها مختلف وسائل الإعلام الأجنبية، كقوله في كلمته الإفتتاحية واصفا القمة بالطارقة بدل الطارئة، و لعله كان على حق من منطلق طرق الحوثيين لأبواب السعودية بسبع طائرات مسيرة أذهبت النوم عن جفونه، متسببة له في فوبيا و فزع و تخبط و إرباك لم يقو على تقبله، بل أفقده حتى السيطرة و التحكم في ملكة اللسان لتفصح عن تلعثم في الإرتجال و النطق و ضبابية في الرؤيا، بعدما خاطب نائبه الرئيس التونسي رئيس القمة السابقة باسم ” السيسي” بدل ” السبسي” كما لو كانت متعمدة من منطلق عسكرة الأزمات العربية بدل احتوائها ديمقراطيا، عبر صناديق الإقتراع طبقا للإرادة الشعبية ” أكثر ما يخشاه خادم الحرمين الشريفين /على اعتبار أنه في مرتبة بابا الفاتيكان بالنسبة للمسيحيين”. فتصوروا معي أعزائي القراء أن الموصوف بهذا النعث لا يفقه شيئا من مقاصد الدين الحنيف و لغته الدالة الفصيحة، إلا ما يتماشى مع رغباته الديماغوجية و ميولاته السياسية، استغلالا للدين كإديولوجيا من أجل قضاء مأرب دنيوية، و مع ذلك حاز على اللقب. كما أكاد اجزم أن لا أحد، من الحاضرين لهذه القمة العربية من رؤساء دول و حكومات أو من يمثلهم، بقادر و لا في استطاعته ارتجال خطاب بلغة فصيحة تشد الإنتباه، لأنهم ببساطة غربيو الطباع و التقاليد، أجانب و غرباء عن أوطانهم همهم الوحيد أن يسودوا و يدوم حكمهم. ما يجري على السعودية يسري على من تبقى إلا بصيص نزر من أشباه زعماء .

   تمخضت القمم الثلاث فولدت مزيدا من أزمات، الخليجية منها تقول بالدفاع المشترك و وحدة الصف و المصير، في حين أن قطر محاصرة و عمان محايدة و الكويت منبوذة و البحرين مستولى عليها و محيدة، فبالله عليهم عن أية وحدة صف يتحدثون ؟. أما بخصوص العربية منها فهي كالسفيه الذي ينطق بما فيه، و واقع حال العرب اليوم و ما يعيشونه من تشردم و ضعف، و ما يرزحون تحته من ذل و هوان، و ما يكتوون به من أزمات إقتصادية و سياسية، جهل و أمية و فقر، حروب أهلية ناجمة عن تدخلات البعض في شؤون البعض، واقع كفيل بدحض و تفنيد كل أقاويلهم بقمم الكذب و النفاق حول الوحدة و التآزر و التضامن .

   أما مصر مثلا، و انطلاقا من إيمانها الراسخ، فهي تعلم بأن السعودية تكذب عندما تتكلم عن الوحدة العربية، فهي من دكت اليمن و دمرت سوريا و خربت العراق و هدت ليبيا و قبلها حاربت ناصر في اليمن ؟، بينما السعودية تعلم بدورها بأن مصر منافقة و متسولة، فقرها و عوزها يدفعانها للإرتماء في الحضن السعودي ” مرغم أخوك لا بطل “، سعيا حثيثا وراء ما تجود به خزائن المملكة، و قس على هذا المنوال باقي الدول المجتمعة في الصالات و المتفرقة في الآراء، حيث أجمعوا على تحويل البوصلة الرسمية نحو إيران بدل المغتصبة إسرائيل تزامنا مع انطلاق فعاليات يوم القدس العالمي ، فباعوا الثمين و اشتروا الرخيص فما ارخصهم إلى يوم يبعثون .

   وحدها القمة الإسلامية خرجت عن المألوف، إذ لا أحد من زعاماتها القوية ” باكستان/ تركيا مثال ” إشارت أو لمحت إلى التصعيد ضد إيران، و لا دولة أشارت بأصابع الإتهام إلى الجمهورية الإسلامية شجبا و تنديدا أو تهديدا و وعيدا … إحتشد الجمع الثلاثي ثم تفرق دون التطرق إلى زمان و مكان الرد و أدوار كل واحد من دوله، و الإستراتيجية التي يمكن اتباعها و الإمكانيات التي يجب توفيرها ” قيادة عسكرية/ معدوا خطط/ لوجيستيك/ أسلحة و دخائر حربية …… “، و كأن الحرب مجرد لعبة أطفال و عيال و يكفي فقط النقر على الزر لربح المعركة و كفى الله المؤمنين شر القتال، لتنام إسرائيل قريرة العين بعدما ثبت لها أن عربان أمة إقرأ لا يقرؤون، لكنها في المقابل، و هذا هو المؤكد، غير مطمئنة لكلام فنان و مثقن لفن الخطابة زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله .

   خطاب مرتجل ألقاه السيد حسن نصر الله، كما عودنا، بلغة عربية فصيحة بمناسبة يوم القدس العالمي دام حوالي ساعتين و نصف، تطرق من خلاله إلى المتوقع الأكيد و ما سوف يقع إن تجرأت أمريكا و الدول الحليفة على شن الحرب، مستفيضا في الشرح و التحليل لمختلف التوقعات، بكاريزميته المعهودة حيث توعد بتوسيع قوس النار إلى أبعد من حيفا و يافا و الجليل و تل أبيب و إيلات، إلى أبعد من السعودية و الإمارات ….، مفصحا عن معلومات جد خطيرة تقول بأن قطاع غزة أصبح بإمكانه اليوم استهداف كل المدن الإسرائيلية بصواريخ ذكية و دقيقة ” معادلة قصف غزة يقابله قصف تل أبيب و مطار بن غوريون “، بعدما كان الأمر في السابق مقتصرا فقط على المستوطنات المحيطة بغلاف غزة .

   خطاب نصر الله تلقفته مختلف دوائر القرار داخل الكيان ” جهاز الموساد/ هياة الأركان/ وزارة الخارجية/ الدوائر الأمنية و الإستعلاماتية “، علاوة على القنوات العشر التلفزيونية و محلليها السياسيين و العسكريين و مختلف الصحف العبرية، فالكل التفت للخطاب شرحا لمعانيه و تشريحا لمضمون كلماته كلمة كلمة، حالة ذعر و فزع عمت الكيان انطلاقا من إيمانهم بصدقية أقواله و ما عهدوه فيه من صراحة و مصداقية، من خلال ما عاشوه و رأوه من جراء حروب الجنوب اللبناني، كان أبرزها حرب تموز 2006 و ما نجم عنها من هزيمة مذوية لأقوى جيوش المنطقة ” الجيش الذي لا يقهر “، هزيمة صدر بشأنها تقرير فينوكغراد الشهير و ما أشار إليه من خلاصات و استنتاجات إن كنتم تذكرون .

   كل الخبراء العسكريين و المحللين السياسيين أجمعوا اليوم على أن إسرائيل توجد بين فكي كماشة، محاصرة ما بين القطاع و لبنان و سوريا و في مرمى صواريخ إيران و أدرعها بالمنطقة، و إذا ما أعلنت الحرب فستكون من بين الأهداف الأولى إضافة إلى الخنق الإقتصادي عبر باب المندب في اتجاه ميناء إيلات بالبحر الأحمر، منطلقهم أن الحرب لن تكون خاطفة كما تشتهيها و تريدها هي، بل ستكون حرب استنزاف و لن يكون بمقدورها تحملها أو مواصلتها، حرب طويلة الأمد و معارك عض أصابع و الهزيمة لمن يصرخ أولا .

   و على غير العادة، فصيام كل القيادات السياسية منها و العسكرية عن الكلام و على رأسهم النثن – ياهو، إضافة إلى التراجعات الدراماتيكية التدريجية للفج الأشقر و مسؤولي إدارته و نزولهم عن الشجرة فيما يخص الإشكالية الإيرانية المؤرقة، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن كلتى الدولتين لا تقيمان وزنا و لا تتابعان أخبار قمم العرب، همها الوحيد كيفية التعاطي مع ما يوخزها في قطاع غزة، و ما يقض مضجعها بجنوب لبنان و ما يتهددها بالبحر الأمر إضافة إلى ما تتوقعه انطلاقا من الخليج … الأفعال هي ما يفزعها و يخيفها و ليس الأقوال، بعدما تيقنت من حتمية الهزيمة لتلجأ لسكون الموتى لعل و عسى أن تنفرج الأزمة و ينقشع الغمام .

   خلاصة القول، شتان ما بين الخطابين رغم التفاوت الصارخ في الإمكانيات ما بين دولة و حزب، ضباب خطاب خزي وعار و انهزام مقزز، و رسالة خطاب وعيد و عزة و كبرياء و إيمان بالقضية .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مؤسسة المهدي بن عبود ومركز المقاصد والدراسات والأبحاث ينظم ندوة لمساءلة كتاب ” الأزمة الدستورية” للشنقيطي

    شكل كتاب ” الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع ...