
بقلم : عبد الإله دحمان
إننا نغادر مواقع المسؤولية الانتدابية لنمنحها حياة جديدة
**********************
نقطة نظام للمستقبل : في الحاجة إلى نخب محلية ووطنية جديدة .
ليس من السهل على الإنسان أن يقف أمام تجربة امتدت لعقود من العمل الحزبي والسياسي والانتداب الانتخابي ليعلن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة في مسار النضال ، لأن السياسة بالنسبة لمن آمن بها لم تكن يوماً منصبا أو امتيازا، أو موقعا وتموقعا شخصيا ، بل كانت التزاماً أخلاقيا ومسؤولية تجاه المجتمع والوطن وانخراطا في تنظيم يعكس القناعة المشتركة .
لقد تعلمنا في حزب العدالة والتنمية ، أن العمل العام ليس ملكا لأحد، وأن المؤسسات لا تبنى بالأشخاص بل باستمرار الفكرة وتجددها والرسالة وتمددها . ومن هذا المنطلق، فاننا في هذه الظرفية والسياقات المختلفة الامر يقتضي جيلا جديدا ونخبا محلية تستأنف المسار ، اما نحن فيجب ان ندعم ونوجه ونؤطر ونضع التجربة في خدمة الشباب القادم ، وبالتالي فإن قرار اعتزال العمل الانتدابي الانتخابي أو عدم الترشح مجددا ليس انسحابا من الواجب الوطني، ولا يفسر على أنه هروب من النضال اليومي ، بل هو شكل آخر من أشكال الوفاء له ، ووفاء لفكرة التداول، واحترام لضرورة فتح الأفق أمام جيل جديد من الكفاءات الشابة.
إن بلادنا اليوم في حاجة إلى نفس جديد، إلى طاقات تؤمن بلغتها وزمنها وأسئلتها، جيل يعيش التحولات الرقمية والاجتماعية والثقافية، ويملك أدوات مختلفة لمواجهة تحديات المستقبل. ولا يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية والتداول وتجديد الحياة السياسية دون أن نمارس ذلك داخل تجاربنا ومساراتنا الشخصية، وهو ما يفرض على حزب العدالة والتنمية أن ينتبه له لتجديد عرضه السياسي المتكامل.
لقد كان الانتداب باسم حزب العدالة والتنمية بالنسبة لي مدرسة تعلمت فيها معنى القرب من المواطنين، والاستماع لانشغالاتهم، والدفاع عن قضاياهم داخل المؤسسات. حاولنا أن نكون صوتا صادقا قدر الإمكان، وقد نكون أصبنا أحيانا وأخطأنا ايضا أحيانا أخرى، لكننا لم نتخل يوماً عن مبدأ خدمة الصالح العام ، ولا تاجرنا في مبدئنا، لم نتهاوى امام المغانم ، لم نقبل المساومة ، صمدنا أمام الإغراءات وقاومنا الترهيب والترغيب .
واليوم، علينا كجيل أن نفتح للشباب طريق التجربة ، وأنا في هذا السياق ، أرى شخصيا أن الوقت حان لأفسح المجال لغيري اختيارا وقناعة ، وان كنت لا أملك حق الترشح ، بل المناضلون يرشحون وفق معايير محددة ، وهذا لا يعني انني أغادر السياسة بمعناها النبيل، لأن السياسة ليست مقعدا انتخابيا فقط، بل هي فكرة وموقف ونضال يومي في معترك المجتمع الى جانب شباب نبغ وتفوق امام ناظرنا وهذه فرصته لتطوير تجربتنا الجماعية . المناضل يغادر المسؤولية لكنه لا يغادر درب النضال ، لذا سأبقى مناضلا منخرطا، داعما لكل مبادرات حزبي التي تخدم الوطن، وسنداً لكل الشباب الذين يحملون مشعل المسؤولية.
إن تجديد النخب ليس شعارا يرفع في الحملات الانتخابية، بل هو ثقافة يجب أن تبدأ بالقدوة. فحين يختار جيل أن يسلم المشعل طواعية، فإنه يمنح الحياة السياسية مصداقيتها ويعيد الثقة للمواطنين في معنى الالتزام العمومي.
أؤمن أن المستقبل يصنعه الحوار بين الأجيال، لا القطيعة بينها، خبرة ترافق الحماس، وتجربة تسند الطموح. لذلك فإننا نغادر مواقع المسؤولية الانتدابية لنمنحها حياة جديدة، لا لنغلق صفحة النضال.
شكرا لكل من وثق، ولكل من انتقد، ولكل من رافق مسيرتنا السياسية ، فالسياسة في النهاية ليست رحلة فردية، بل قصة جماعية نكتبها معا.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى
عبد الاله دحمان
*نائب الامين العام للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب UNTM
والكاتب الوطني للجامعة الوطنية لموظفي التعليم




