الواجهة

في الحاجة إلى نموذج معرفي..تربوي استشرافي

سعيد لعريض يكتب:

منذ استقلال المغرب إلى الآن جُرِّبت عدة وصفات تربوية للنهوض بقطاع التعليم؛ الذي يعد القطاع الحيوي الثاني بعد قضية الصحراء المغربية، غير أنها باءت بالفشل لعوامل كثيرة أهمها: غربة تلك الوصفات التربوية عن الواقع المغربي، يضاف لها غياب النظرة الاستشرافية للنهوض بالتعليم، بدل إصلاحه؛ إذ الحديث عن الإصلاح يحمل معه مفهوم الفشل.
ومنذ صدور ميثاق التربية والتكوين الذي يعد وثيقة مرجعية في النهوض بقطاع التعليم، لم نستطع الخروج من الوضعية المزرية التي يعيشها القطاع؛ والتي تزداد أزمته يوما بعد يوم؛ رغم ما يُصرف عليه من أموال طائلة، ومع تعاقب حكومات التي كلما دخلت واحدة لعنت أختها، بإلغائها للخطط والرؤى الإصلاحية للتعليم السابقة. وهنا يمكن الحديث عن المخطط الاستعجالي الشبيه في الرؤية والأهداف بالمدرسة الرائدة: فكلاهما ينطلق من رؤية إصلاحية تروم تحديث المدرسة العمومية وتجويد التعلمات، وتجاوز أزمة التعليم بالمغرب، ويتشابهان في المخرجات والتي منها الإقرار بالفشل بحسب ما خلصت له التقويمات الداخلية والخارجية، ناهيك عن استنزاف الموارد المالية والبشرية دون حصيلة تذكر.


ونعتبر أن أزمة التعليم ببلادنا أزمة اختيارت، وأزمة بناء الإنسان، وأزمة قيم حاملة لمشروع تربوي متكامل، كفيل بإعادة تشكيل هوية الشعب المغربي المسلم. فالنظام التربوي هو أهم ركيزة في بناء العمران، وإعداد الإنسان، وتشكيل هوية أي أمة، لأنه يعتمد نموذج معرفي واحد ووحيد؛ تستمد منه المفاهيم والقيم والتصورات/ المدخلات، وفي ضوئه تتحدد شخصية الفرد/ المتعلم/ الطالب المستهدفة في العملية التعليمية/ المخرجات.
والنمودج المعرفي يعكس عقيدة المجتمع المغربي المسلم وتنوعه الثقافي، فهو ينطلق في البناء من الذات والانفتاح على تراث الغير من غير ذوبان أو تبعية، استشرافا لمستقبل تعليمي قادر على إعادة الدورة الحضارية الغائبة للأمة المسلمة. لذلك نرى أن مخالفة النظام التربوي التعليمي لهوية الأمة وخصوصيتها هي أشد من الاستعمار المباشر؛ لأن في ذلك ضياع لعقيدة الشعب المغربي وهويته الحضارية، وتسلبه الحصانة المعنوية في مواجهة تحديات العولمة.
فحاجتنا أصبحت ملحة لنظام تعليمي خاضع لنموذج معرفي موحد، ينهي حالة الاضطراب في التصورات والرؤى التربوية، ينهي الفوضى والارتجالية في الإصلاح وإصلاح الإصلاح، والبعد عن ازدواجية معرفية تقليدانية وتحديثية التي يتسم بها نظامنا التعليمي، فكانت الحصيلة: عزلة النظام التعليمي عن عقيدة الشعب وهويته الحضارية، وانحيازه إلى النموذج الغربي، وفشله في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
إن الظرفية أصبحت آنية لنظام تعليمي ينطلق من نموذج معرفي أصيل أصالة الرؤية الإسلامية، يواجه النظام المعرفي المادي الذي أصبح يمهد لكل تطبيع تربوي وثقافي؛ إذ المشكلة مشكلة معرفية تتعلق بالإصلاح المنهجي بوصفه جوهر الأزمة التربوية التي تتمثل في غياب فلسفة تربوية واضحة، نعبر عن هوية الشعوب الإ سلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى