في رحيل محمد أديب السلاوي: الموسوعي الذي ناضل من أجل تنمية القراءة وتحفيز الوعي

بقلم: الطاهر الطويل

    حتى وهو على فراش المرض، ظل الكاتب والناقد والإعلامي المغربي محمد أديب السلاوي (81 سنة) يواظب على الكتابة والنشر، إلى أن وافته المنية يوم الأربعاء الماضي، تاركا وراءه العديد من الكتب التي قاربت الخمسين مؤلفا في مجالات الأدب والفن والسياسة والمجتمع، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: «المسرح المغربي من أين وإلى أين»؟ «الاحتفالية في المسرح العربي»، «المسرح المغربي، البدايات والامتداد»، «التشكيل المغربي بين التراث والمعاصرة، «أعلام التشكيل العربي بالمغرب»، «الحروفية والحروفيون في التشكيل المغربي»، «التشكيل المغربي بصيغة المؤنث»، «مئة عام من الإبداع التشكيلي بالمغرب»، «الشعر المغربي، مقاربة تاريخية»، «تضاريس الزمن الإبداعي»، «السياسة الثقافية في المغرب الراهن»، «هل دقت ساعة الإصلاح؟»، «المغرب: الأسئلة والرهانات»، «السياسة وأخواتها»، «السلطنة المخزنية تراكمات الأسئلة»، «أطفال الفقر»، «الرشوة: الأسئلة المعلقة»، «المخدرات في المغرب وفي العالم»، «هل دقت ساعة الإصلاح»، «الأزمات المغربية إلى أين؟»، «الحكومة والأزمة: من يقود من؟»، «الحكومة والفساد: من ينتصر على من؟».

    عُرف محمد أديب السلاوي بكونه شغوفا بتحطيم الحواجز بين مختلف فنون التعبير المكتوب، يشاكس نقديا الأجناس الأدبية، بالمقدار نفسه الذي يشاكس الفنون من مسرح وتشكيل وغيرها، وأيضا مجال السياسة، من منطلق إيمانه بأن الكتابة النقدية والصحافية ليست بحاجة إلى تأشيرة في تطوافها عبر مختلف الحقول الفنية والفكرية والأدبية، اللهم إلا التزود بزاد المعرفة وبالمراس والمواكبة، وامتلاك العين الذكية القادرة على التقاط تفاصيل النصوص والوقائع.

    ومن ثم، فهو من بين الكتّاب المغاربة القلائل الذين يتميزون بالموسوعية والشمولية والتنويع، إذ تتوزع مؤلفاته بين السياسة والمجتمع والنقد الأدبي والمتابعة الفنية. وقد تأتّى له ذلك انطلاقاً من ممارسته الطويلة للعمل الصحافي سواء في المغرب أو المشرق العربي، ما مكّنه من امتلاك ناصية التحليل والنقد والرؤية الحصيفة المتبصرة الملمة بتفاصيل مجالات المقاربة، من غير ادّعاء للتخصص أو الأكاديمية. ولعل هذه السمات هي ما يجعل مؤلفاته تنقاد لقارئها بسهولة، بحكم اعتمادها لغةً صِحافيةً سلسة، ولكن من غير تبسيطية قد تُخلّ بعمق المعنى وجِدّة المحتوى؛ حيث يقدم بانوراما للواقع المغربي في شتى تجلياته ومظاهره، وذلك بنظرة موضوعية تشخص مكامن العلل، وتتقصى مسبباتها، وتقترح سبل الخلاص منها.

    ومثلما هو الشأن في الميدان الصحي، حيث لا يلغي وجودُ التخصص الطبَّ العام، كما أن هذا الأخير لا ينهض بديلا عن الأول، فإن المحتفى به هنا أشبه ما يكون بطبيب عام، ذي إلمام بمجموعة من التخصصات وقادر على أن يدلي بدلوه فيها من غير ادعاء، بل إنه مسلح بمعرفة دقيقة وبأدوات تحليل ذكية ومتقدمة. يذكرنا أديب بحال مجموعة من رموز الفكر والفلسفة العرب والمسلمين، الذين جمعوا من كل فن طرف. ولعل ما يَسّرَ لصاحبنا الاتصاف بميزة الشمولية ثلاثة أمور على الأقل: أولا: ممارسته لمهنة الصِّحافة طيلة عقود، حتى غَدَا أحد أعلامها البارزين. وثانيا: مطالعاته الكثيرة، فهو معروف بكونه قارئا نهما للكتب. وثالثا: صلته الدائمة بالمجتمع وعلاقاته المتعددة مع الفاعلين فيه.

    ففي المجال النقدي والإبداعي والفكري، نجد أن محمد أديب السلاوي رصد عن قرب حركية المشهد الثقافي المغربي، وأرّخ لها توثيقا ونقدا، في كتب تراوحت بين المسرح والشعر والتشكيل والقصة. كما وثّق لها بكتاباته الصحافية في العديد من المنابر الإعلامية التي اشتغل فيها، أو تولى مسؤوليات بها، أو تعاون معها، أو أصدرها بنفسه. احتفت دور النشر المغربية وكذا المشرقية بثمرات فكره، فأصدرت له كتبا متتالية منذ منتصف ستينيات القرن الماضي. في جل مقارباته النقدية يحرص كاتبنا على الابتعاد عن كل ادعاء نقدي، بل إنه يصر على وسم اشتغاله بالقراءة الانطباعية حينا والقراءة الصِّحافية حينا آخر، قراءة لا تدّعي التخصص ولا تتطاول على النقد العلمي، كما يقول. لكن وراء هذا التواضع المعرفي يكمن جهد نقدي يجمع بين عدة مناهج، بدون الانتصار لأحدها على حساب الآخر. وفي مجال الشأن السياسي والاجتماعي، أصدر كتبا هي في الواقع عبارة عن أبحاث ودراسات دقيقة في مواضيع مختلفة: الإصلاح، الانتخابات، السلطة، الأحزاب، الإرهاب، المخدرات، الرشوة، الفقر، الفساد وغيرها.

    واللافت في الانتباه أن السلاوي في كل كتبه وأبحاثه يصدر عن رؤية موضوعية متزنة ومتوازنة، فهو لا يتحامل على جهة ما، ولا يصدر أحكاما جاهزة، وإنما يقوم بدور المثقف الملتزم بقضايا أمته، المنصهر فيها والفاعل فيها، أي المثقف العضوي بتعبير غرامشي. إنه صاحب قضية ودور ورسالة ومسؤولية. ولذلك، فهو لا يتردد في تسمية الأشياء بمسمياتها، وفي فضح الفساد المستشري في كيان المجتمع وفي الكثير من أجهزة الدولة.

    دخل السلاوي إلى عالم الصحافة المكتوبة خلال العقد الستيني، وهو مولع بجبروت الفنون والآداب، مفتون بالتشكيل والمسرح والشعر والموسيقى. فكان حظه من مهنة المتاعب، أن عمل في الصفحات الثقافية، وأن «يختلط» ويرتبط بالفنانين والشعراء والأدباء، ليزيد افتنانا بعطاءاتهم وارتباطا بفضائهم. وفي السبعينيات، قادته ظروفه المهنية، إلى إدارة مطبوعات سياسية، منها جريدة «الصحافة»، ليخوض من خلالها معارك سياسية، وليتحول إلى كاتب سياسي، ولكن بدون أن يبعده ذلك عن اهتمامه وانشغاله بالثقافة والفنون. هكذا وجد نفسه موزعا بين اهتماماته الأساسية: الآداب والفنون والثقافة بصفة عامة، والاهتمامات التي يتطلبها عمله المهني، أي «الكتابة السياسية». وفي الحقلين معا، حاول دائما أن يكون الكاتب الصحافي المستقل/ اللامنتمي، الذي يعمل خارج المنظومات الأيديولوجية، والذي يتواصل مع قرّائه من موقعه الخاص والذاتي، بما يفرضه الموقف والضمير.

    قال في حوار أجريناه معه في «القدس العربي» منذ أكثر من عشرين سنة: «أتاحت لي الصحافة الفرصة لأرى صومعة الكتبية في مدينة مراكش، وبرج إيفيل في باريس، وتمثال الحرية في نيويورك، في مواقعها، وأتاحت لي الفرصة لأخابر فضاءات هذه المعالم الحضارية في مواقعها، وطقوسها، وهو ما دفعني ذات يوم لأكتب عن فضاءات الصوامع والتماثيل في الثقافة الإنسانية». ويستطرد قائلا: «يبدو لي، هكذا هي الكتابة الصحافية، متنوعة الاهتمامات، إنها بقدر ما تتيح لك من فرص، تعطيك القدرة على التنوع والاتساع المعرفي، فهي تطواف وتجوال ورحلات إلى عوالم متكاملة ومتنوعة، وتبقى العبرة في النهاية، ما هي قيمة العطاءات الناتجة عن هذا «التطواف» الجميل؟».

    كان محمد أديب السلاوي يؤمن بأن لا حدود بين الصحافي والناقد، إلا تلك الحدود الوهمية التي قد تفرضها المناهج المدرسية والأكاديمية. فالناقد، أي ناقد، عندما يكتب في فن أو موضوع أو قضية، يكون متخصصاً بالممارسة، بالعلاقة التي تربطه بالموضوع أو الفن أو القضية، فالكتابة النقدية، سواء كانت صحافية أو أكاديمية تمارس العملية النقدية نفسها، من وجهة نظرها، وبأسلوبها، وبمنهجها الذي يسهل مهمة تواصلها مع المتلقي… وأشهر عمالقة النقد في الشرق وفي الغرب، هم كتاب وأدباء وصحافيون، جرتهم مواهب الكتابة إلى آفاق ومجالات كثيرة ومتنوعة، بدون التحرج من المناهج المدرسية أو الجامعية التي تعلم أنماطًا من المعرفة، ولا تعلم كيفية اكتساب المواهب والملكات والقدرات الذاتية.

    أصدر الراحل خلال الشهور الأخيرة العدد الأول من مجلة فكرية حملت اسم «الحوار»، وكان يستعد لإصدار عدد ثان منها، بموازاة مع اشتغاله على مشروع كبير لتنمية القراءة ضمن ما يطلق عليه «كتاب الجيب». ولكن المشروع بقي ضائعا بين دهاليز وزارة الثقافة المغربية، رغم حصوله على الموافقة من لدن الوزير السابق محمد الأعرج والوزير الحالي عثمان الفردوس. وشرع محمد أديب السلاوي في جمع توقيعات المثقفين على عريضة من أجل دعم ذلك المشروع، لكن حكم القدر كان أقوى.

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

عاجل : محاولة إغتيال مدير موقع “الأخبار المغربية” ومدير نشر الجديدة نيوز على طريقة المافيات

    تعرض قبل قليل مدير موقع “الأخبار المغربية” لعملية دهس بسيارة المدعو البوحتوري في ...