
محمد عبد اللطيف يكتب:
ليست “مأساة الحلاج” مسرحية عن رجل قُتل في التاريخ، بل عن حقيقةٍ قُتلت في الناس قبل أن تُقتل في صاحبها. صلاح عبد الصبور لا يستدعي الحلاج ليعيد إلينا واقعة صوفية بعيدة، وإنما ليستحضر أمامنا سؤالًا لا يزال حيًّا “ماذا يحدث حين تنزل الكلمة من محراب التأمل إلى سوق البشر؟ وماذا يصنع المجتمع بالإنسان الذي لا يكتفي بأن ينجو وحده، بل يريد أن يجعل نجاته رحمةً وعدلًا ونورًا للآخرين؟”
إن مأساة الحلاج، في جوهرها، ليست مأساة الصوفي الذي قال كلمةً غامضة فقتلته السلطة، بل مأساة المجتمع حين يفقد القدرة على التمييز بين النور والفتنة، وبين الصدق والتمرد، وبين الدين الحي والدين المستخدم، وبين الجماعة بوصفها ضميرًا والجماعة بوصفها قطيعًا خائفًا. ولهذا فإن قراءة المسرحية اليوم ليست ترفًا أدبيًا، بل ضرورة أخلاقية؛ لأن الأمم لا تهلك غالبًا من قلة الأقوال، بل من فساد معاني الأقوال. وقد نبّه فؤاد زكريا في حديثه عن أزمات العقل العربي إلى أن الألفاظ التي نطرح بها مشكلاتنا لا تكون محايدة دائمًا، بل تؤثر في طريقة فهمنا للمشكلة نفسها، وتحدد موقفنا منها.
ومن هنا يبدأ التصحيح؛ ليست المشكلة أن نقول “دينًا” و”وطنًا” و”نظامًا” و”أمنًا” و”جماهير” و”طاعة” و”حقيقة”؛ المشكلة أن تتحول هذه الكلمات إلى أصنام، وأن تصبح الألفاظ أشد حضورًا من الإنسان الذي وُجدت لخدمته. فإذا صارت الحقيقة شعارًا لا رحمة فيه، والتقوى عزلةً لا عدل فيها، والطاعة تسليمًا بلا ضمير، والوطن أرضًا بلا كرامة، والجماهير عددًا بلا وعي، عندئذ لا نكون أمام مجتمع مؤمن أو مستقر أو متحد، بل أمام مجتمع يتقن تسمية سجونه بأسماء جميلة.
أولًا: الحقيقة ليست زينة عقلية، بل مسئُولية عن الألم
كل حقيقة لا تدفع صاحبها إلى رحمة الناس هي حقيقة ناقصة. ليست الحقيقة ما نعرفه فقط، بل ما تفعله بنا معرفتنا. قد يعرف الإنسان ألف برهان، ويحفظ ألف نص، ويتقن ألف حجة، ثم يبقى قلبه جافًا أمام جائع، أو خائفًا أمام ظالم، أو محايدًا أمام طفل تُسرق منه طفولته. عندئذ لا تكون الحقيقة قد دخلت إلى ضميره؛ إنها لم تتجاوز ذهنه.
الحلاج في مسرحية صلاح عبد الصبور لا يُمتحن في معرفته وحدها، بل في نتيجة هذه المعرفة. لو بقي صوفيًا منغلقًا على وجدانه، محاطًا بأسرار الخاصة، لربما تُرك آمنًا. لكن مأزقه أنه رأى أن النور إذا بقي في صدر صاحبه صار نوعًا من البخل الروحي. رأى أن التقوى التي لا تسمع أنين الناس لا تختلف كثيرًا عن الرفاهية المتقشفة. رأى أن الله لا يُطلب هروبًا من البشر، بل يُطلب في الرحمة بهم، والعدل لهم، والحياء من آلامهم.
هنا ينبغي تصحيح مفهوم الحقيقة؛ الحقيقة ليست شيئًا نملكه لنعلو به على الناس، بل عبء يحمله الإنسان ليصير أكثر تواضعًا أمام عذابهم. ليست الحقيقة منصةً للاتهام، بل مرآةٌ يرى فيها الإنسان تقصيره. فإذا ازداد صاحب الحقيقة قسوةً، فَلْيَتَّهم حقيقته؛ وإذا ازداد احتقارًا للضعفاء، فليفتش عن الوهم المتخفي في ثياب اليقين.
ثانيًا: التقوى التي تنجو بصاحبها فقط قد تكون أنانية مهذبة
ليست التقوى أن يخرج الإنسان من العالم نقيًّا ويترك العالم يحترق. إن نجاة الفرد، إذا قامت على تجاهل المظلومين، ليست نجاةً كاملة؛ إنها شكل رفيع من الانسحاب. وقد يكون الانسحاب أحيانًا خوفًا متنكرًا في هيئة حكمة، أو عجزًا متنكرًا في هيئة ورع.
في “مأساة الحلاج” يظهر هذا السؤال في مواجهة الحلاج بمن حوله؛ هل يكفي أن نحفظ السر؟ هل يكفي أن نطهر القلب؟ هل يكفي أن نطلب السلامة؟ إن المسرحية لا تحتقر الصفاء الروحي، لكنها تكشف خطره حين ينقلب إلى عزلة عن الناس. فالتدين الذي يترك الفقير في عتمته، والمظلوم في وحدته، والضعيف تحت أقدام الأقوياء، ليس تدينًا مكتملًا؛ إنه رُوحانية بلا جسد، وخلاص بلا إنسان.
وهنا ينبغي ألا نقع في خطأ معاكس؛ فليس المطلوب تحويل الدين إلى صخب سياسي، ولا تحويل الرحمة إلى استعراض، ولا جعل الدفاع عن الناس ذريعةً للكراهية. المطلوب أعمق من ذلك؛ أن يعود الضمير إلى مركز التجربة الدينية. في كتابه “أفيون الشعوب”،يفضح العقادُ الاتجارَ بالضمير واتخاذ الدين ذريعة للمصالح السياسية.
ومعنى ذلك أن المتدين الحق لا يُقاس بكثرة ما يردده من ألفاظ التسبيح والاستغفار، بل بما يوقظه فيه الدين من عدل ورحمة وشجاعة. فإذا استُخدم الدين ليغطي الظلم، أو ليخيف العقول، أو ليجعل الفقراء يصبرون على الإهانة لا على البلاء، فقد صار الدين في يد مستخدميه حجابًا لا نورًا، وسوطًا لا رحمة.
ثالثًا: النظام ليس حقًا إذا صار آلةً لإسكات الضمير
من أخطر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح مفهوم النظام. فالناس، من شدة خوفهم من الفوضى، قد ينسون أن النظام ليس قيمةً مطلقة في ذاته. النظام يكون فضيلة حين يحمي الحياة والكرامة والحق، ويصبح رذيلة حين يتحول إلى قفصٍ مهذب، أو حين يُطلب من الإنسان أن يضحي بضميره لكي لا يزعج السكون العام.
الظلم لا يأتي دائمًا صارخًا. كثيرًا ما يأتي مرتديًا ثوب النظام. يقول لا تثيروا الفتنة. لا تزعجوا الناس. لا تفتحوا الجراح. لا تسألوا الآن. لا تقولوا الحقيقة في وقتٍ غير مناسب. لكن السؤال الذي تطرحه مأساة الحلاج هو “مناسب لمن؟ أهو وقت غير مناسب للحقيقة، أم وقت غير مناسب للذين ينتفعون من غيابها؟”
حين تُحاكم الكلمة باسم النظام، ينبغي أن نسأل هل حوكمت لأنها كاذبة، أم لأنها تكشف كذبًا أكبر؟ وحين يُتهم الصادق بأنه يهدد الاستقرار، ينبغي أن نسأل أي استقرار هذا الذي يرتجف من سؤال؟ وأي دولة تلك التي تخاف من ضمير فرد أعزل؟
لقد أشار فؤاد زكريا إلى أن تدخل السلطة في الثقافة قد يتحول إلى فرض اتجاهات تخدم مصالحها فقط، ومحاربة التجديد حين يبدو خطرًا على الأوضاع القائمة. وهذا المعنى يضيء مسرحية الحلاج؛ فالسلطة لا تخاف الكلام كله؛ إنها تخاف الكلام الذي يوقظ الناس من التعوّد. تخاف الكلمة حين تكسر العلاقة القديمة بين الجوع والصمت، وبين الخوف والطاعة، وبين القداسة والمصلحة.
رابعًا: الطاعة ليست فضيلة حين تلغي الضمير
من أفسد المفاهيم في حياتنا أن الطاعة تُمدح لذاتها. الطاعة قد تكون خُلقًا إذا كانت طاعةً لعقل وعدل وخير، لكنها تصبح جريمة مؤجلة إذا أعفت صاحبها من السؤال. فالإنسان لا ينجو أخلاقيًا بمجرد أن يقول”أُمرتُ ففعلت”، أو “الناس قالوا فقلت”، أو “هذا ما وجدنا عليه الجماعة”.
في مأساة الحلاج، لا يظهر القتل بوصفه فعلًا منفردًا، بل بوصفه شبكة. هناك من أَمَر، ومن نفذ، ومن برر، ومن صمت، ومن خاف، ومن فهم ثم انسحب، ومن باع كلمته، ومن هتف بما لا يعلم. وهكذا لا تعود الجريمة ملكًا للجلاد وحده. الجلاد آخر الحلقة، لا بدايتها.
لذلك فإن أعظم ما ينبغي أن يتعلمه الناس، وأن يعلّموه لأطفالهم، هو أن الضمير ليس ترفًا. الضمير ليس صوتًا داخليًا نلجأ إليه في أوقات الفراغ، بل هو آخر حصن يحمي الإنسان من أن يصبح أداةً في يد غيره. ومن ربّى أبناءه على الطاعة العمياء، ظانًا أنه يحميهم، فقد يهيئهم ليكونوا ضحايا سهلة لكل سلطة، ولكل واعظ مزيف، ولكل جماعة تنتسب أو لا تنتسب للدين وتصرخ بدل أن تفكر.
الطاعة التي لا تمر على العقل خطر. والطاعة التي لا تمر على الرحمة خطر. والطاعة التي لا تسأل عن مصير الضعفاء خطر. وليس من البر بالأبناء أن نمنعهم من السؤال، بل أن نعلمهم كيف يسألون بلا وقاحة، وكيف يطيعون بلا عبودية، وكيف يختلفون بلا كراهية.
خامسًا: الجماهير ليست معصومة لمجرد أنها كثيرة
من أراد أن يوقظ الناس فلا يجوز له أن يكرههم، ولكن لا يجوز له أيضًا أن ينافقهم. الجماهير قد تكون مظلومة، لكنها ليست معصومة. قد تكون ضحية، لكنها قد تتحول إلى أداة. قد تطلب العدل، وقد تصفق لقتل من جاء يذكّرها بالعدل. وقد يشتري الجوع صوتها، ويشتري الخوف سكوتها، وتشتري الشعارات عقلها.
في مأساة الحلاج، يظهر الفقراء في وضع بالغ القسوة؛ هم الذين أراد الحلاج أن ينقل إليهم النور، لكنهم قد يصبحون جزءًا من العتمة التي تلتف حوله. وهذه ليست إدانة للفقراء، بل إدانة للنظام الذي يجعل الفقير قابلًا للبيع، وللثقافة التي تجعل الإنسان يهرب من التفكير إلى الهتاف، وللسلطة التي تعرف كيف تستعمل ألم الناس ضد من يدافع عنهم.
طه حسين، وهو يتحدث عن أبي العلاء، يقدّم نموذجًا بالغ الرقي في العلاقة بالناس؛ سوء ظنٍّ لا يصدر عن احتقار، بل عن فطنة؛ وحبٍّ لا يتحول إلى مداهنة؛ ونصحٍ يلين حينًا ويعنف حينًا آخر. وهذا هو الموقف الذي نحتاجه؛ أن نحب الناس بما يكفي لكي لا نخدعهم، وأن نرحمهم بما يكفي لكي لا نقدسهم.
إن من يمدح الجماهير في كل حال لا يخدمها؛ إنه يخدرها. ومن يحتقرها لا يوقظها؛ إنه يقطع آخر خيط بينه وبينها. أما المصلح الحقيقي فيعرف أن الجماهير لا تستيقظ بالإهانة ولا بالمجاملة، بل بتربية طويلة على السؤال، والحق، والكرامة، وتحمل المسئُولية.
سادسًا: الفقر ليس قَدرًا أخلاقيًا، بل امتحان للحضارة
في مسرحية الحلاج، لا يظهر الفقر كخلفية اجتماعية محايدة، بل كقوة درامية وأخلاقية. الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل نقص في القدرة على الاختيار. الجائع لا يُسلب خبزه فقط؛ قد يُسلب صوته، وكرامته، وقدرته على الاعتراض. ولهذا يصبح المجتمع الظالم بارعًا في صناعة نوعين من القهر؛ يقهر الفقير أولًا بالحاجة، ثم يستخدم حاجته ليقهر بها صاحب الكلمة.
وهنا يلزم تصحيح مفهوم شائع؛ الفقراء لا يحتاجون إلى الشفقة وحدها، بل إلى العدل. الشفقة قد تُبقي المسافة بين العالي والمنخفض، بين المعطي والمتلقي، أما العدل فيسأل لماذا احتاج هذا الإنسان إلى الشفقة أصلًا؟ ولماذا تتكرر المأساة في الأسرة نفسها، والحي نفسه، والطبقة نفسها؟ ولماذا يرث الأبناء ضعف الآباء كما يرثون أسماءهم؟
قد تكون هناك وفرة في الإنتاج ويظل الإنسان محرومًا بسبب اختلال النظم والقيم والعلاقات. وهذا المعنى يلتقي مع مأساة الحلاج؛ فالقضية ليست أن نعطي الفقير فتاتًا من الرحمة، بل أن نمنع تحويل فقره إلى وسيلة لإسكاته أو توجيهه أو استغلاله.
إن المجتمع الذي يترك الضعفاء تحت رحمة الصدفة لا يكون متدينًا مهما كثرت شعائره، ولا متحضرًا مهما ارتفعت مبانيه، ولا وطنيًا مهما علت أناشيده. معيار الحضارة ليس ما تقوله عن نفسها، بل ما تفعله بمن لا يملكون الدفاع عن أنفسهم؛ الطفل، والشيخ، والفقير، والمريض، والغريب، والمختلف، والمهزوم.
سابعًا: العقل رحمة منظمة
من المفاهيم التي ينبغي تصحيحها أيضًا أن العقل عدو الروح، وأن التفكير يطفئ الإيمان. هذا وهم خطر؛ لأن الإيمان بلا عقل قد يصبح فريسةً سهلة للمتاجرين بالمقدس، والعقل بلا رحمة قد يتحول إلى آلة باردة. المطلوب ليس عقلًا ضد القلب، ولا قلبًا ضد العقل، بل عقلٌ يطهر الرحمة من السذاجة، ورحمةٌ تطهر العقل من القسوة.
فؤاد زكريا، في تصديره لكتاب “آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة”، لا يتحدث عن عقل متعالٍ على الحياة، بل عن عقل يندمج في الحياة، ويخدم مشكلاتها، ويعترف بالتطور والنمو في المجتمع والإنسان. هذا هو العقل الذي نحتاجه في ضوء مأساة الحلاج؛ عقل لا يقتل الوجدان، بل يمنعه من أن يتحول إلى هوس؛ ولا يحتقر الإيمان، بل يمنعه من أن يصبح أداة في يد الجهل؛ ولا يزدري الجماهير، بل يحاول تحريرها من اللغة التي تسجنها.
العقل هنا ليس ترف النخبة، بل شرط نجاة الجماهير. لأن من لا يفكر سيُفكَّر له، ومن لا يسأل ستُصنع له الأسئلة والأجوبة، ومن لا يميز بين الحقيقة والشائعة سيصبح شاهد زور وهو يظن أنه يدافع عن الحق.
ثامنًا: الحرية ليست فوضى، بل شرط المسئُولية
الذين يخافون الحرية يختزلونها في الفوضى. لكن الحرية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشاء، بل أن يكون قادرًا على أن يقول ما يرى، وأن يفكر دون رعب، وأن يراجع السلطة والجماعة والموروث دون أن يُتهم في دينه أو وطنيته أو أخلاقه. الحرية شرط المسئُولية؛ لأن الإنسان الذي لا يملك حق السؤال لا يجوز أن نطالبه بفضيلة الجواب.
في فلسفة اسبينوزا السياسية، كما يعرضها فؤاد زكريا، أن تترك الدولة الرشيدة للأفراد قدرًا واسعًا من الحقوق، ولا سيما حق التفكير الحر والتعبير عن الرأي، بوصفه أساسًا لكل نظام حكم سليم. وهذه الفكرة تلقي ضوءًا شديدًا على مأساة الحلاج؛ فالدولة التي تضيق بالكلمة تكشف ضعفها، لا قوتها.
والمجتمع الذي يخاف من السؤال لا يحمي إيمانه، بل يعلن هشاشته.
الحرية لا تعني أن كل كلمة حكيمة، ولا أن كل اعتراض صادق، ولا أن كل متمرد شريف. لكنها تعني أن المجتمع السليم لا يقتل الكلمة قبل أن يفهمها، ولا يحاكم السؤال كأنه جريمة، ولا يجعل الخوف حارسًا على العقول.
تاسعًا: اللغة قد توقظ وقد تخون
ليست اللغة وسيلة تعبير فحسب؛ إنها طريقة وجود. الإنسان يعيش داخل الكلمات التي يصدقها. فإذا فسدت الكلمات، فسد العالم في عينيه. من هنا خطورة المسرحية الشعرية عند صلاح عبد الصبور؛ إنها لا تقول لنا إن الحلاج قُتل بالسيف فقط، بل قُتل أيضًا باللغة؛ قُتل حين تحولت الكلمة إلى تهمة، والدين إلى لافتة، والنظام إلى قفص، والجماهير إلى صدى، والصدق إلى جنون.
زكي نجيب محمود، في “تجديد الفكر العربي”، يشير إلى أن الانتقال من مرحلة فكرية إلى أخرى يستلزم تغيير الأداة اللغوية نفسها؛ فاللغة ليست غلافًا خارجيًا للفكر، بل أداة تصنع اتجاهه وحدوده. ولهذا فإن تصحيح المفاهيم يبدأ من تصحيح اللغة؛ لا تسموا الجبن حكمة، ولا الذل طاعة، ولا القسوة حزمًا، ولا الظلم قدرًا، ولا الصمت وقارًا، ولا الضجيج وعيًا، ولا النجاة الفردية خلاصًا.
إن أخطر ما يصيب الأمم أن تعتاد الأسماء المزورة. فالناس قد يقبلون العبودية إذا سميت أمنًا، ويقبلون الإهانة إذا سميت تربية، ويقبلون الاستغلال إذا سمي صبرًا، ويقبلون إلغاء العقل إذا سمي تسليمًا. لذلك كان تحرير اللغة أول الطريق إلى تحرير الإنسان.
عاشرًا: الشهادة ليست حبًا للموت، بل رفضٌ للكذب
ينبغي ألا نفهم الحلاج فهمًا مريضًا. فليست قيمة الحلاج في أنه مات، بل في أنه لم يشتر حياته بالكذب. الشهادة ليست طلبًا للموت، ولا استعراضًا للبطولة، ولا احتقارًا للحياة. الشهادة الحقة هي أن يبلغ الإنسان موضعًا لا يستطيع فيه أن يواصل الحياة إلا بثمنٍ يفسد معنى حياته كلها، فيرفض الثمن.
وهذا معنى بالغ الأهمية للناس في حياتهم اليومية. فليس مطلوبًا من كل إنسان أن يذهب إلى مصير مأساوي، ولا أن يرفع صوته في كل معركة، ولا أن يخلط بين الشجاعة والتهور. المطلوب أن يعرف كل إنسان موضع الكلمة التي لا يجوز له بيعها؛ في بيته، في عمله، في تربية أبنائه، في رعاية والديه، في موقفه من ظلمٍ يراه، في شهادةٍ يُطلب منه تزويرها، في صمتٍ يعرف أنه سيؤذي بريئًا.
وقد كتب طه حسين في “مرآة الضمير الحديث” عن ضرورة التثبت قبل الاستجابة للوشاة، وعن واجب العلماء في نصح الحكام وإخلاص الموعظة لهم. وهذا هو الوجه العملي للشهادة؛ ليست الشهادة صراخًا دائمًا، بل أمانة في الحكم، وتثبت قبل الاتهام، ونصيحة في موضعها، ورفض لأن يُظلم بريء باسم الغضب أو المصلحة أو الجماعة.
خاتمة: كيف ننقذ ما يمكن إنقاذه؟
إن مسرحية “مأساة الحلاج” لا تطلب منا أن نصير حلاجين، ولكنها تطلب منا ألا نصير جزءًا من المحكمة التي قتلته. تطلب منا أن نفتش عن القاضي الصغير في داخلنا، وعن الجلاد الصامت، وعن المتفرج الذي يريح ضميره بقوله “لا شأن لي”. تطلب منا أن نسأل كم مرة خذلنا الحقيقة لأنها جاءت في وقت غير مناسب؟ وكم مرة تركنا ضعيفًا وحده لأن الدفاع عنه مكلف؟ وكم مرة ربينا أطفالنا على السلامة لا على الكرامة؟ وكم مرة سمينا خوفنا عقلًا، ومصلحتنا حكمة، وصمتنا ترفعًا؟
إنقاذ الحياة لا يبدأ بخطبة كبيرة، بل بتصحيح صغير لكنه جذري في المفاهيم. أن نعلّم أبناءنا أن السؤال ليس عيبًا. أن نعلّمهم أن الدين رحمة قبل أن يكون شعارًا. أن نعلّمهم أن الجماعة قد تخطئ، وأن الكثرة ليست دليلًا على الحق. أن نعلّمهم أن الضعيف ليس عبئًا على الحياة، بل امتحان معناها. أن نعلّمهم أن الحرية ليست فوضى، وأن النظام ليس صنمًا، وأن الطاعة ليست فضيلة إلا إذا حفظت للإنسان ضميره.
أما آباؤنا الضعفاء، وأطفالنا الذين لم تكتمل أدوات دفاعهم بعد، فهم أمانة في عنق هذا التصحيح. فالطفل الذي ينشأ في بيت يخاف من الحقيقة سيرث الخوف قبل أن يرث الحكمة. والشيخ الذي يعيش في مجتمع لا يرحم الضعف يموت مرتين؛ مرة بجسده، ومرة حين يرى أن عمره كله انتهى إلى عالم لا يحمي العاجزين. لذلك لا تكون الرحمة عاطفةً هامشية، بل أساسًا لفلسفة الحياة.
في ضوء مأساة الحلاج، نستطيع أن نقول:
الحقيقة التي لا ترحم ليست حقيقة كاملة.
والتقوى التي لا تعدل ليست تقوى كاملة.
والعقل الذي لا يخدم الحياة ليس عقلًا كاملًا.
والجماعة التي لا تحمي الفرد من ظلمها ليست جماعةً أخلاقية.
والنظام الذي يخاف من الكلمة ليس نظامًا، بل خوفٌ منظم.
والدين الذي يُستخدم لإسكات المظلومين ليس نورًا، بل ظلٌّ يتكلم باسم النور.
من حمل نورًا إلى الناس فليعلم أن الظلام لن يرحب به؛ سيحاكمه أولًا باسم النظام، ثم باسم الدين، ثم باسم الناس أنفسهم. لكن من عرف ذلك لا ينبغي أن ييأس، بل أن يزداد بصيرة. فالنور الحقيقي لا يهزم الظلام بضجيجٍ يشبهه، بل بصبرٍ أطول منه، ورحمةٍ أوسع منه، وعقلٍ أهدأ منه، وصدقٍ لا يبيع الإنسان ولو نجا الجسد.
ذلك هو الدرس الأعمق؛ أن نعيش بحيث لا نكون قتلةً للحلاج في كل عصر؛ لا بسلاح في اليد، بل بكلمةٍ مزيفة، أو صمتٍ جبان، أو طاعةٍ بلا ضمير.





