
بقلم: المهدي طالب
لم تمتلك البشرية يومًا هذا القدر الهائل من الوسائل التقنية، ولا هذا الكمّ من المعرفة والراحة المادية، ومع ذلك نادرًا ما بدا الإنسان المعاصر مرهقًا من الداخل كما هو اليوم. أصبحنا قادرين على التواصل مع العالم بأسره عبر شاشة صغيرة، لكننا عاجزون عن طرق باب جارنا. لم يعد الإنسان يُنظر إليه بوصفه وعيًا يجب الارتقاء به، بل أداءً ينبغي تحسينه. وأصبحت قيمته تُقاس بقدر إنتاجيته. أمّا من يتألّم فيُصبح عبئًا، ومن يتوقّف عن الإنتاج يختفي رمزيًا من العالم.
كان كارل ماركس يتحدّث عن اغتراب الإنسان داخل البُنى الاقتصادية، حيث يصبح الفرد غريبًا عن ذاته عندما لا يعود موجودًا إلا من خلال ما يُنتجه. غير أنّ ما لمح إليه ماركس داخل المصنع الصناعي امتدّ اليوم إلى مجمل الوجود الإنساني، حتى المشاعر نفسها تحوّلت إلى سلع.
وقد ميّزت حنّة آرندت بين العمل والصناعة والفعل. وكان الفعل بالنسبة إليها هو ما يربط البشر حقيقةً ببعضهم: الكلمة، والذاكرة، والمشاركة في العالم المشترك. غير أنّ عصرنا الحالي ابتلع كل شيء داخل منطق المردودية. حتى الراحة يجب أن تصبح منتجة، وحتى الصمت ينبغي أن يكون مربحًا. لم نعد نعرف كيف نتأمّل دون أن ننشر، أو نحبّ دون حساب، أو نساعد دون انتظار مقابل.
والمفارقة هائلة: لم نكن يومًا بهذا القدر من الاتصال، ومع ذلك لم نكن يومًا بهذا القدر من العزلة. فبحسب منظمة الصحة العالمية، أصبح الاكتئاب أحد أبرز أسباب العجز في العالم. كما تُظهر دراسات عديدة في الدول الغربية ارتفاعًا ملحوظًا في الشعور بالوحدة المزمنة، خاصة لدى الشباب، رغم فرط اتصالهم الرقمي. وقد خلصت دراسة جامعة هارفارد حول تطور الإنسان البالغ — التي بدأت سنة 1938 وتُعدّ من أطول الدراسات النفسية والاجتماعية في التاريخ — إلى نتيجة بسيطة ومذهلة في آنٍ واحد: ما يحمي الإنسان على المدى الطويل ليس المال ولا الشهرة، بل جودة العلاقات الإنسانية.
ومع ذلك، تستمر حضارتنا في تنظيم الحياة وكأن الإنسان قادر على العيش دون روابط عميقة. المدن تكبر بينما تتفكك المجتمعات. ترتفع العمارات نحو السماء بينما ينهار الأفراد بصمت داخل شققهم. وفي بعض المدن الحديثة، يموت أشخاص بمفردهم ولا يُكتشف أمرهم إلا بعد أيام. حتى إن اليابان تمتلك مصطلحًا خاصًا لهذه الظاهرة المأساوية: “كودوكوشي”، أي “الموت وحيدًا”.
وكان عالم الاجتماع إميل دوركايم قد لاحظ منذ القرن التاسع عشر أن معدلات الانتحار ترتفع عندما تتفكك الروابط الاجتماعية. ففي كتابه “الانتحار”، بيّن أن المجتمع قد يصبح مزدهرًا ماديًا لكنه منهار أخلاقيًا. فعندما لا يعود الإنسان يشعر بأنه مرتبط بأسرة أو جماعة أو ثقافة أو معنى جماعي، يدخل فيما سماه دوركايم “الأنومي”، أي فقدان المعايير الإنسانية الأساسية.
وهذا تحديدًا ما تنتجه الحداثة عندما تُقاد فقط بمنطق الاستهلاك. إذ ينتهي الإنسان إلى العيش في عالم مليء بالأشياء لكنه فارغ من الحضور الإنساني. لقد استبدلنا الساحات العامة بالمراكز التجارية، والحوارات الطويلة بالرسائل الفورية، والعلاقات الدائمة بروابط مؤقتة. كل شيء أصبح سريعًا، قابلًا للاستبدال، وقابلًا للرمي، حتى البشر أنفسهم. في الماضي، كانت بساطة الحياة المادية تُجبر الناس على الاقتراب من بعضهم البعض. كانت العائلات تجتمع حول مائدة واحدة، أو حول شمعةٍ أو نارٍ صغيرة، وكان فقر الوسائل يخلق أحيانًا ثراءً إنسانيًا عظيمًا. أمّا اليوم، فالمفارقة أن الأضواء الحديثة تُنير البيوت أكثر، لكنها تُباعد بين القلوب أحيانًا. لقد أصبحت المصابيح الحديثة تُضيء الشاشات التي كانت الشمعة قديمًا تجمع الوجوه حولها. صرنا نعيش في أماكن أكثر راحة، لكن أكثر صمتًا وفراغًا من الداخل.
وكان الفيلسوف زيغمونت باومان يتحدث عن “المجتمع السائل”، حيث لم يعد شيء يدوم بما يكفي لبناء جذور حقيقية. أصبحت العلاقات هشّة لأن العصر يقدّس الحرية الفردية الفورية أكثر مما يقدّس الوفاء أو الالتزام. نريد علاقات بلا قيود، ونجاحات بلا تضحيات. لكن عالمًا بلا ارتباط عميق يُنتج حتمًا أفرادًا هشّين.
حتى الطفولة لم تسلم من ذلك. فالأطفال يكبرون داخل أنظمة تعليمية مهووسة بالنتائج والترتيب والأداء. نتعلم منذ الصغر كيف ننجح، لكن نادرًا ما نتعلم كيف نعيش. نطوّر المهارات التقنية دون أن نطوّر القدرة على تحمّل الفشل أو الوحدة أو الحزن أو هشاشة الإنسان. كثيرون يعرفون كيف يستخدمون تقنيات معقّدة، لكنهم لم يعودوا يعرفون كيف يُنصتون حقًا إلى إنسان يتألّم.
ولعلّ أخطر ما في الأمر أن هذه الحالة بدأت تبدو طبيعية. مجتمع ترتفع فيه معدلات القلق، وتتحول فيه مضادات الاكتئاب إلى علاج اعتيادي، وتتضاعف فيه حالات الإرهاق النفسي، ومع ذلك يواصل تقديم نفسه باعتباره ذروة التقدم البشري. وكأن الحداثة تُقاس فقط بالنمو الاقتصادي والأسواق المالية.
لكن الحضارة قد تكون قوية ومريضة في الوقت نفسه. والتاريخ يثبت ذلك باستمرار. فسقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية لم يكن مجرد انهيار عسكري، بل كان أيضًا تفككًا أخلاقيًا واجتماعيًا تدريجيًا. وكذلك فإن اندثار الحضارة الأندلسية لم يكن نتيجة الحروب والصراعات السياسية وحدها، بل كان أيضًا نتيجة ضعفٍ داخلي، وانقسامات متزايدة، وفقدانٍ للمعنى الجماعي، وتآكلٍ تدريجي للتماسك الثقافي والروحي. أمّا الإمبراطورية العثمانية، فعلى الرغم من قوتها الهائلة وطول عمرها التاريخي، فقد عرفت بدورها هشاشةً داخلية متنامية؛ إذ أدّت البيروقراطية الثقيلة، والفساد، والتأخر العلمي، والانقسامات السياسية إلى إضعاف بنيةٍ كانت تبدو يومًا عصيّة على الانهيار. فالحضارات غالبًا ما تموت من الداخل قبل أن تنهار من الخارج.
وهنا تحديدًا تقف بعض الدول التي ما تزال تحمل ذاكرة جماعية حيّة أمام مفترق طرق حاسم. فالمغرب، على سبيل المثال، يطمح بحق إلى التقدم التكنولوجي والتحديث الاقتصادي والابتكار العلمي. غير أن تحدّيه الحقيقي سيكون في تحقيق هذه الحداثة دون أن يفقد عمقه الإنساني. فما يزال المغرب يحتفظ بعناصر دمّرتها تدريجيًا كثير من المجتمعات الحديثة: مركزية الأسرة، وروابط الجوار، واحترام الكبار، ودفء العلاقات الاجتماعية، والارتباط بالروحانية، والشعور بالانتماء الجماعي.
وكان إدغار موران يذكّر بأن الخطر الأكبر في المجتمعات الحديثة هو تطور التقنية بسرعة تفوق تطور الوعي الإنساني. فقد يصبح البلد متقدمًا تكنولوجيًا لكنه هشّ أخلاقيًا. ولهذا يمكن للمغرب أن يبحث عن نموذج مختلف: حداثة متجذّرة، قادرة على التوفيق بين الابتكار والإنسانية. وذلك يقتضي مدرسة لا تُخرّج فقط عمّالًا تنافسيين، بل بشرًا متوازنين. مجتمعًا يعلّم الشباب كيف يتحكمون في التكنولوجيا دون أن يصبحوا عبيدًا للشاشات، وكيف ينجحون دون احتقار الضعفاء، وكيف يكسبون رزقهم دون أن يخسروا أرواحهم. كما يقتضي الحفاظ على أماكن اللقاء الحقيقية — المقاهي الشعبية، والجمعيات الثقافية، والساحات العامة، وروابط الأسرة والمجتمع — حتى لا تحل الشبكات الرقمية محل الحضور الإنساني الكامل.
ويمتلك المغرب أيضًا ثراءً روحيًا وثقافيًا عميقًا. ففي عالم تعاني فيه مجتمعات كثيرة من فراغ وجودي متزايد، يمكن لهذه الروحانية أن تصبح قوة توازن. فالروحانية، عندما تبقى منفتحة وذكية وإنسانية، تذكّر الإنسان بأنه لا يُختزل في الاستهلاك ولا في الأداء الاقتصادي، بل تعيد الاعتبار للكرامة والرحمة والمسؤولية الجماعية.
أما الخطر الحقيقي، فهو أن نقلّد بعض النماذج الغربية تقليدًا آليًا دون أن نرى أيضًا شقوقها العميقة: العزلة الجماعية، والفردانية المتطرفة، وانهيار الروابط الأسرية، وأزمة المعنى التي تضرب كثيرًا من المجتمعات فائقة الحداثة. ويمكن للمغرب أن يختار طريقًا آخر: طريق التقدم التكنولوجي المصحوب بحماية الإنسان.
وربما علينا أن نعيد اختراع معايير العظمة نفسها. فالمجتمع المتقدم ليس الذي يُنتج أكبر قدر من الثروات، بل الذي يتخلى عن أقل عدد من أفراده. والمقياس الحقيقي للحضارة لا ينبغي أن يكون الناتج الداخلي الخام فقط، بل “السلام الداخلي الخام”: أي قدرة المجتمع على حماية الإنسان في ضعفه — الطفل الهش، والشيخ الوحيد، والمريض، والفقير، والفاشل، ومن يتألم بصمت.
وكان إيمانويل ليفيناس يرى أن الأخلاق تبدأ عندما يصبح وجه الآخر مسؤوليةً بالنسبة إلينا. غير أن عصرنا يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، إذ يجعل الآخر غير مرئي. أصبحنا نمرّ أمام المعاناة الإنسانية بالسرعة نفسها التي نمرّر بها شاشات هواتفنا. وتحولت اللامبالاة إلى عادة ثقافية.
ومع ذلك، ورغم كل شيء، ما يزال الإنسان يبحث عن الشيء نفسه الذي بحث عنه أسلافه: حضور صادق، ودفء إنساني، وشعور بالانتماء، وحب حقيقي. خلف الشاشات والمظاهر والمسارات المهنية، ما يزال كثيرون يبحثون عن مكان يُستقبلون فيه دون الحاجة إلى إثبات قيمتهم باستمرار. فالإنسان لا يعيش بالراحة المادية وحدها، بل يعيش أيضًا بالاعتراف والمعنى والذاكرة والمحبة.
لن تعوّض أي تكنولوجيا يدًا توضع على كتف متعب. ولن تعوّض أي خوارزمية معنى الوفاء. ولن يشفي أي ترف عزلة الإنسان الوجودية.
ولهذا، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للإنسان في عمقه الحقيقي. أن نتعلم من جديد كيف نبني مجتمعات لا تُقاس فيها قيمة الفرد فقط بما يُنتجه، بل بما هو عليه. فالحضارة الحقيقية ليست التي تصنع أكبر عدد من الآلات، بل التي تحفظ أكبر قدر من الإنسانية. لأن التقدم الحقيقي لا يتمثل فقط في جعل الحياة أكثر راحة، بل في جعلها أكثر كرامةً.
المهدي طالب





