
بقلم : د.محمد غولي
طبيعي جدا أن يعرف المجتمع المدني صيحات من الاحتجاجات والتنديدات حول سوء التدبير في السياسات العمومية ، تؤطرها مؤسسات دستورية وأجهزة منتخبة ، بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين بشكل سلمي في إطار التدافع الحضاري بين سائر أطياف المجتمع …
لكن أن تتم الاحتجاجات والتنديدات من لدن فئات شابة غير مؤطرة لا بلون سياسي أو إيديولوجي أو نقابي اجتماعي أو حتى ثقافي أو فئوي … فالأمر يستدعي التوقف حول انزياح هذا الصوت المعارض لكل السياسات القطاعية لاسيما في القطاعات الاجتماعية الأكثر التصاقا بفئات الشعب .
وأقصد هنا : التعليم والصحة والتشغيل ؛ مما يطرح جملة من علامات الاستفهام والتعجب ؟؟؟؟!!!! من قبيل : لماذا انطفأت المؤسسات الدستورية وغابت الأجهزة المنتخبة عن التعبير عن هذا الجرح الغائر في جسد المجتمع المغربي بنفس الحدة التي عبر عنها هؤلاء الشباب ولم تقم الدنيا ولم تقعدها كما فعل هؤلاء الفتية ؟؟؟!!!ولماذا لم تقابل الأجهزة الأمنية هذه الاحتجاجات – قبل أن تنزاح للعنف والتخريب وهو أمر مرفوض وغير مقبول مهما كانت الأسباب والمسببات – بالحكمة والروية والجلوس معهم على طاولة الحوار والنقاش لإيجاد الحلول، وفسح أبواب الأمل لهذا الجيل الذي يتلمس خطواته الأولى في معترك الحياة ؟؟!! ولماذا اختارت العديد من الحساسيات الحزبية والنقابية لغة الصمت الرهيب إزاء مايقع وكأن الأمر لايعنيها لا من قريب ولا من بعيد ، وهي الموكول لها دستوريا وقانونيا لعب دور الوسيط بين شرائح المجتمع والسلطة التنفيذية الموكول لها تنفيذ السياسات العمومية وتنزيل الأوراش الاجتماعية وغير الاجتماعية على أرض الواقع ؟؟؟!!!
أسئلة كثيرة من زخم كبير يدعو للتساؤل وأحيانا للاستغراب من كل ماوقع ومما يقع ومما سيقع لاقدر الله فيما لايحمد عقباه….ولفهم ماجرى ومايجري الآن في الشارع المغربي يمكن استحضار بعض الإشارات والملاحظات التي قد تنير لنا الطريق ، وتفسح لنا فسحة الفهم والاستيعاب للتموقع الصحيح :
- أولا : الجيل الذي خرج للشارع للتعبير عن مطالب المجتمع وليست مطالبه فقط بالتحديد ، يطلق على نفسه جيل Z ، ومن خلال هذا الاسم يمكن لنا أن نفهم مثلا بأنه آخر جيل في المجتمع زمنيا المتمتع بحق المشاركة السياسية والاجتماعية على اعتبار أن حرف Z هو آخر حرف في الأبجدية اللاتينية ، أو ممكن اعتبار حرف Z يدل على معنى الزيادة بالعربية التي بلغت أوجها مع هذه الحكومة النيولبيرالية ، بفعل ارتفاع معدل التضخم مما استحالت معه القدرة الشرائية إلى الحضيض في سابقة لم يعرفها المغرب الحديث منذ الاستقلال ، هذا على مستوى التسمية التي يبقى لأصحابها الحق في شرح مدلولها السياسي والثقافي والاجتماعي … على اعتبار أن اختلاف المفاهيم والدلالات والمصطلحات حاضر بقوة بين الأجيال ، ولهذا لاينيغي أبدا إسقاط المفاهيم القديمة عليه ، أو استنساخ التجارب والقوالب الثقافية الماضية بأي شكل من الأشكال المتداولة عليه ، دون سبر أغوار ثقافته الرقمية – وإن بدت لنا في أحايين كثيرة سطحية ومبتذلة – فإنها لهذا الجيل هي اللغة التي يتنفس بها ، والرموز التي لايفك طلاسمها إلا من كان منتميا لهم ، ليس فقط في الزمن العمري ، بل حتى في الانتماء للعالم الرقمي بنفس حديث بعيد عن الانتماء القديم الكلاسيكي ، نحن إذن أمام جيل آخر ، جاء من عالم آخر ، عالم افتراضي مستقبلي نظرته للحياة تختلف كليا عن نظرتنا للحياة ، ليس فقط في المتغيرات اليومية ، بل حتى في ما قد نعتقده نحن من التوابث بينما العكس عندهم تماما …
- ثانيا : هذا على مستوى محاولة فهم مصدر الظاهرة من لدن أصحابها جيل Z ، لكن ماذا عن الظاهرة في حد ذاتها ، وهي الخروج للشارع للاحتجاج والتنديد ، بداية ينبغي الرجوع للوراء شيئا ما وبالضبط لحركة 20 فبراير والتي تتقاطع مع هذه الاحتجاجات في كثير من النقاط ، خروج 20 فبراير للساحة الاجتماعية جاء للتنديد بنقطتين أساسيتين وهما الفساد والاستبداد ، الفساد على مستوى الثروات والاستبداد على مستوى الحريات … الفساد على مستوى الثروات يعني الجمع بين السلطة والمال ، مما يحيل المجتمع إلى طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء ، ويحيل طبقة المحظوظين إلى التهرب من واجبات المواطنة والمتابعة القانونية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة ، مما يفسح المجال لهم للاغتناء السريع ومراكمة الثروات دون حسيب ولارقيب ؛ لأنهم وبكل بساطة هم أصحاب السلطة فكيف لصاحب السلطة أن يعاقب نفسه بل وأنى له أن يضع القوانين التي تفسح المجال لمحاسبته ومراقبته ومساءلته – مثلا سحب قانون الإثراء غير المشروع من قبة البرلمان – وبالمقابل نجد طبقة المنهكين اقتصاديا تثقل طبقة أصحاب السلطة والمال كاهلها بالرسوم والضرائب والواجبات المادية دون مراعاة لوضعها الهش ، ولا اكتراث لماستؤول له وضعيتهاالاقتصادية … جراء موجات الغلاء والتضخم المتعاقبة ، إذن ولافتكاك الوضع الهش الذي آلت إليه البلاد لابد من تطليق السلطة بالمال حتى تستقيم الأحوال ، فتصبح فئات المجتمع بكل شرائحه المتوسطة والفقيرة في مواجهة الطبقة الميسورة بقوانين عادلة تقيم التوازن والعدل، يشرف عليها طبقة سياسية مثقفة متمكنة ليس لها طمع اقتصادي أو عوز مادي ، تقيم ميزان العدل والحرية بين طبقات المجتمع وفق قوانين متفق عليها بين الجميع …
- ثالثا : للأسف زواج السلطة بالمال يترتب عنه مظاهر عدم تكافؤ الفرص بين فئات المجتمع ، فأصحاب السلطة والمال هاجسهم الأول هو الربح والاغتناء والزيادة في الاغتناء بكل الوسائل القانونية وغير القانونية ، فرسموا لأنفسهم مصوغات توصلهم للهدف المنشود بأقل مجهود وبأيسر التكاليف ، ولعل من بين هذه المصوغات في اعتقادي التي قتلت مبدأ تكافؤ الفرص بين طبقات المجتمع هو مايصطلح عليه بالقطاع الخاص ، القطاع الخاص في التعليم ، القطاع الخاص في الصحة ، القطاع الخاص في تقديم الخدمات الاجتماعية ، القطاع الخاص في الشغل … دون ترسانة قانونية صارمة تقيم التوازن والعدل بين فئات المجتمع وتستحضر الهاجس الاجتماعي في هذه القطاعات ، أصبحنا نرى الأغنياء ينعمون بكل الخدمات الضرورية والامتيازات غير الضرورية بفضل مايكسبون من حظوة ومال وجاه ، وفي المقابل نجد الفئات الهشة تحرم من أبسط الخدمات الصحية الضرورية لكونها لا تملك الحظوة ولا المال ولا الجاه الذي يدخلها في دائرة المحظوظين ، لذلك لابد من إعادة النظر في هذا التمييز الذي يميز فئات المجتمع إلى فقير وغني ولاسيما على مستوى القطاعات الاجتماعية الأساسية : التعليم والصحة على وجه الخصوص ،بإلغاء سياسة الخوصصة …
- رابعا : عجز المؤسسات الدستورية والأجهزة المنتخبة اليوم عن القيام بأدوارها الدستورية ليس فقط لضعفها ومحدوديتها التمثيلية فقط ؛ بل للتحكم الذي خضعت له من الجهات النافذة والتي تهندس لأدوارها قبل انتخابها ؛ بل وترسم لها أفق التحرك بمقاسات معينة ، وهو مايمس بمبدأ الحريات ، فينتج عن ذلك مفهوم الاستبداد من جهة ، وعزوف شرائح اجتماعية كثيرة عن المشاركة السياسية من جهة أخرى… للأسف لازالت ديمقراطيتنا تتلمس طريقها نحو النضج والاكتمال ، ولازال من ينظر لفئات المجتمع بمنظار التبخيس والاستصغار، ويحسب المجتمع قاصرا عن خوض التجربة الدمقراطية بنفسه سواء ، تعلق الأمر بالتخطيط أوالتنفيذ دون وصاية وتوجيه … لابد لنا من نقاش عميق عن مفهوم السلطات ، و عن مفهوم الفصل بين السلطات ، وعن مفهوم الحريات ، لتحديد أدوار المؤسسات والأفراد على السواء …
- خامسا : للأسف لازالت القطاعات الاجتماعية الأساسية : التعليم والصحة والشغل لم تحظ بعد بالإرادة السياسية التي حظي بها قطاع الرياضة وبالخصوص كرة القدم ، التي جمعت لها الأموال العمومية وغير العمومية ، حيث شيدت الملاعب الضخمة في ظرف وجيز ، وعبدت الطرق السيارة والسككية لاحتضان الاستحقاقات القادمة ، فلم لا تجمع الأموال كذلك للنهوض بقطاع التعليم والصحة ؟؟!! قطاع التعليم الذي يبني الإنسان وببناء الإنسان نبني المجتمع بله أن نبني الجدران والحيطان…





