قرأت لكم : الحكم في المغرب بين عهدين وشعارين

بقلم فؤاد هراجة باحث في الفلسفة السياسية والأخلاق 
    منذ منتصف السبعينات ونظام الحكم في المغرب يتغنى بشعارين لَخَّصَ من خلالهما مشروعه السياسي، ويتعلق الأمر بشعار ” الانتقال الديمقراطي” ثم شعار “المسلسل الديمقراطي”. ولطالما ذكرنا الراحل الحسن الثاني بأن الشعب المغربي لم يرق بعد لممارسة الديمقراطية وأن دونه وإياها قطع أشواط طويلة. فجاءه الرد وقتئذ من الراحل عبد الرحيم بوعبيد حين قال: “لايمكن أن يتعلم الشعب الديمقراطية إلا في مدرسة الديمقراطية وليس في مدرسة الاستبداد”. والحقيقة أن الحسن الثاني لم يكن ليثق في إرادة الجماهير الشعبية، ولا فيما يمكن ان تفرزه صناديق الاقتراع. لذلك كان يصنع الأحزاب، وكانت وزارة الداخلية تزور الإنتخابات، وتختلق الأغلبية الوهمية، لتمنحنا برلمانا ومؤسسات فارغة .
    ودام هذا الحال السياسي على ماهو عليه مؤطرا بين قضيتين ذات أولوية في كل خطاب ملكي وهما قضية الصحراء وقضية التعليم. وطيلة 38 سنة من الحكم استمع المغاربة لأزيد من 120 خطابا بمعدل ثلاث خطابات في السنة. فلا المغاربة انتقلوا إلى نظام ديمقراطي، ولا هم بدأوا مسلسله! لماذا، لأن الانتقال الديمقراطي يقتضي تغيير طبيعة النظام السياسي؛ أي أن تصبح مراكز السلطة موضوع منافسة وتوزيع وتداول وتعاقب. غير أن هرم النظام السياسي ظل مغلقا محتكرا لكل السلط ومتقلدا كل المهام الكبرى في الدولة. كما أن المغرب رغم الكم الهائل من الخطب الملكية، لم يحسم موضوع الصحراء بل بقي معلقا بين المد والجزر على طاولة الأمم المتحدة. أما التعليم باعتباره القضية الوطنية الثانية ظل يتدحرج في دركات المراتب العالمية. والنتيجة أن المغرب وباعتراف النظام الحاكم أصبح تحت تهديد السكتة القلبية التي قد تضرب البلاد في أية لحظة. في خضم هذه الأزمة اعتمد الجهاز الحاكم أكذوبة ” التدرج” كمنهجية محكمة لتأجيل أي إصلاح ممكن، إلى ان جاءت فكرة التناوب التوافقي كوسيلة لتسهيل انتقال الحكم من الحسن الثاني إلى ولي العهد آنذاك محمد السادس. وبدهاء المستبد المتمرس تمكن الحسن الثاني من جر المعارضة أي الكتلة التاريخية إلى تسيير الحكومة وبذلك تكون قد نقضت غزلها وضخت منسوبا هائلا من الشرعية في جسم المؤسسة الملكية في ظروف حرجة كانت تعيشها. لم يكن التناوب التوافقي انتقالا سلميا ديموقراطيا كما توهم المنخرطون فيه، بل كان مجرد انفتاح سياسي على معارضة كان مغضوب عليها في حالة الرخاء، وأصبح مرضي عنها في حالة الشدة. وسرعان ما تم انتقال الحكم بنجاح وسلاسة،ولم تمر سوى أربع سنوات ليتم الانقلاب على التناوب التوافقي لندخل مرحلة حكومات الإئتلاف. وعلى غرار الحسن الثاني الذي رفع شعارات :
✓ الإنتقال الديموقراطي،
✓ المسلسل الديموقراطي،
✓ استكمال الوحدة التراببة،
✓ التعليم القضية الأولى بعد الوحدة الترابية،
    على منوال هذه الشعارات سينسج الجهاز المخزني شعارات جديدة تليق بنسخ المرحلة السابقة، وتجديد الشرعية من خلال التبرؤ من الماضي ورفع شعارات تتمركز كلها حول لفظ “الجديد” وبذلك نحت الجهاز المخزني شعارات من قبيل :
✓ العهد الجديد
✓ المفهوم الجديد للسلطة،
✓ المشروع التنموي الجديد،
✓ المرحلة الجديدة،
    أسطورة “الجديد” هي منهجية سيكو-سياسية psycho-politique، تجعل المواطن العادي بمجرد قبوله دعوى “الجديد” يتقبل  نسيان المرحلة السابقة وما كان فيها من وعود، وما حصل فيها من انتكاسات، كما تجعله يتطلع بفضول وشغف كبيرين إلى معالم السياسات الجديدة .
  • فها نحن نودع المشروع التنموي القديم ونستقبل المشروع التنموي الجديد، لكن من داخل نفس الإطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تصاغ من خارج الحكومة وتضخ من أجلها ملايير الدراهم من صناديق وطنية مختلفة .
  • وها نحن أيضا ندخل مرحلة جديدة بعقد اجتماعي جديد، وعقد أخلاقي جديد، وحكومة بوجوه جديدة، لكن في ظل نظام سياسي عتيق لايتململ قيد انملة عن مربع سلطته. نظام أصبح يتقن التأقلم مع المناخ والنَّفَسِ الثوري السائد في المنطقة، ووضع نفسه معارضا منتقدا لأداء الحكومة والمؤسسات، وكأنه يتألم نيابة عن الجماهير التي تئن جراء استبداده واستحواذه على السلطة والثروة .
    إن الإفراط في استعمال لفظ “الجديد” يدل ان نظام الحكم في بحث دائم عن تجديد الشرعية. لقد أعاد حزب العدالة والتنمية نفس التجربة التي فشلت فيها الكتلة التاريخية، لكن هذه المرة برهانات مختلفة. فإذا كانت الكتلة قد ضمنت شبه إجماع و انتقال سلس للحكم في فترة حرجة سياسيا واقتصاديا، فإن حزب العدالة والتنمية قد لعب دور القارب المطاطي أثناء طوفان الربيع العربي. وعليه لم يكن دستور 2011 إلا انفتاحا مؤقتا ولم يكن البتة تغييرا لطبيعة النظام السياسي. والنتيجة ارتفاع نسبة ودرجة الاحتجاجات التي لم تعد تخص فقط الطبقات الفقيرة، بل توسعت لتشمل قطاعات تضم الطبقة المتوسطة. ناهيك أن الإخفاقات المتتالية للمشروع الاقتصادي وعدم جدوى الحكومة والبرلمان في ظل مركزية السلطة، أحدث هوة سحيقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية الرسمية، ولم يعد المواطن يتهم الحكومة والبرلمان، وإنما أصبح يوجه اللوم لمن يحكم حقيقة في البلاد. أعتقد أن نظام الحكم في المغرب سوف يستنفذ كل أشكال المناورة، وسوف يوظف كل الأطياف السياسية لربح مزيد من الزمن السياسي، لكنه قد يكون بصدد لعب الشوط الأخير الذي إما أن يتدارك فيه الوضع ويدشن لانتقال ديموقراطي حقيقي، وتحول سياسي يقطع مع الاستبداد والاستفراد بالسلطة والثروة، وإما سيتجه المغرب نحو المجهول في ظل مناخ إقليمي مضطرب. لقد أصبح نظام الحكم محاصرا بأزمات على كل المستويات يقابلها الفشل تلو الآخر مما يجعل ضرورة وحتمية التغيير مسألة وقت ليس إلا !

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بيان اللجنة الوطنية لشبيبة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي بخصوص الدورة الخامسة

حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي الشبيبة الطليعية اللجنة الوطنية – الدورة الخامسة بيان “الشبيبة الطليعية ترفض ...