قرأت لكم : الصين ومشكلة الإيغور

قرأ لكم أبو أيوب : شينجيانغ عبر التاريخ مصدر قوة وضعف معا للصين 
السيادة الصينية قبل الميلاد 
    كانت آسيا الوسطى ومازلات مسراحا للكثير من الأحداث التاريخية التي غيرت وجه العالم، وقد كان اكتشاف ماعرف في التاريخ الصيني بالمناطق الغربية حدثا هاما للأسرة الملكية هان الغربية (206 ق م- 25 م) خاصة في حربها الطويلة مع قبائل الهون المحاربة، وفي سنة 60 قبل الميلاد أنشئت المملكة الصينية في منطقة لونتاي( Luntai) محمية المناطق الغربية معلنة بذلك ضم هذه المنطقة رسميا إلى المملكة آنذاك، وقد أصبحت  المنطقة حلقة مهمة في  استراتيجية الإمبراطورية الصينية  العسكرية الرامية إلى تطويق قبائل شعب الهون، وتذكر المصادر التاريخية الصينية أن بان تشاو (banchao) هو القائد العسكري والسياسي الصيني الذي تم تعينه أميرا على هذه المناطق سنة 73 ميلادية ،هذا جزء من تاريخ المناطق الغربية أو إقليم شينجيانغ أو تركستان الشرقية أو إيغورستان كلها أسماء لنفس المنطقة.
الإسلام جعل من الإيغور أسيادا :
    تذكر المصادر التاريخية الصينية والعربية دخول الإسلام  إلى مملكة تانغ الصينية (618 م -907 م) مبكرا أثناء حكم إمبراطورها الثالث لي  تشي (Li zhi)،وقد سمح الملك الصيني للمسلمين من عرب وفرس بممارسة  التجارة والإقامة في الصين، بل حتى التقاضي وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، ومع ذلك تسببت حماية المصالح التجارية والاقتصادية  من جهة، ونصرة  الفاتحين من جهة أخرى في العديد من الاحتكاكات بين الصين و الخلافة الإسلامية آنذاك، وكانت معركة نهر طلاس سنة 751 م نقطة تحول مهمة جدا في تاريخ آسيا الوسطى، وربما التاريخ العالمي، حيث أنها المعركة الوحيدة بين أقوى دوليتين آنذاك، وقد كان من أهم نتائجها :
  • قتل الحلم الصيني في السيطرة على آسيا الوسطى  ونهاية نفوذها وتواجدها العسكري هناك؛ 
  • خروج تأثير الثقافة الصينية من آسيا الوسطى  إلى يومنا هذا؛
  • زيادة أواصر ارتباط العرب والشعوب التركية، و انصهارها وتمهيد الطريق لدخول كافة شعوب آسيا الوسطى في الإسلام؛
    وفي خضم الفتوحات الإسلامية، و الإنسحاب الصيني بدأ زحف قبائل الإيغور نحو المنطقة، واستقروا فيها خلال القرن الثامن الميلادي، ويعتبر إسلام ملك الإمبراطورية القراخانية ستوق بغراخان خاقان سنة 943 حداثا بارزا، حيث أسلم معه أكثر من مليون شخص دفعة واحدة، وتطورت المنطقة،  وتوسع الحكم في عهد حفيده السيد هارون بوغراخان، كما كتبت اللغة الإيغورية بالحرف العربي لأول مرة، وخلال سنة 1211 إشتاح المغول المنطقة وأصبحت جزءا من الامبراطورية المغولية الكبيرة، وبقي للمغول وأعوانهم  الدور البارز في  المنطقة إلى بداية القرن الخامس عشر، حيث بدأت النزعة القومية الإيغورية تكبر في إستعادة مجد الأجداد، وبالفعل أسس سعيد خان ذو الأصول الإيغورية دولة بجنوب المنطقة سنة 1513 وجعل الإسلام دين الدولة .
    وخلال القرن السادس عشر  ومع ظهور خانات زونغار الذين سيطروا على المنطقة بالتعاون مع بعض أمراء الإيغور، دخلت المنطقة في أسوأ فترة تاريخية  حسب بعض المؤرخين .
(3)
عودة السيادة الصينية على الإقليم :
    مع تنامي تخوش إمبراطورية تشينغ الصينية  (1644-1912) من التحالف بين خانات زونغار، و الدالاي لاما في التيبت، وبقايا فلول أسرة مينغ الملكية الصينية (1368- 1644) بدأ التفكير في اخضاع المنطقة لحكم الإمبراطورية الصينية من جديد، وخلال سنة 1755 تم القضاء على خانات زونغار، ورجعت المنطقة الغربية تحت سيادة الإمبراطورية الصينية من جديد لكن القلاقل والتمرد بقي مستمرا  في المنطقة حتى  سنة 1882 حيث تم إجبار روسيا القيصرية على التنازل عن جزء كبير من المنطقة (إيلي) كانت تحتلها، وبعد ذلك بسنتين سنة 1884  تسمت المنطقة الغربية بإسمها الجديد إقليم شينجيانغ،  وبقي بهذا الإسم حتى قيام الثورة وسقوط  آخر إمبراطورية صينية سنة 1912 وتأسيس جمهورية الصين (1912- 1949)  لكن  المشكلة حدثت سنة 1933 أثناء احتلال الصين من القوى العظمى وتقسيمها إلى عدة دويلات،  وفي غمرة الحرب الداخلية الصينية الأولى بين القوميين و الشيوعيين (1927 – 1937) وبدعم  مالي وتسليح من بريطانيا العظمى قامت في  نوفمبر 1933 بمدينة كاشغار جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية وفي  فبراير 1943 إنهارت الدولة الوليدة و إنتهت قصتها، وفي نوفمبر 1944 ومع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية وبدعم ومساندة من الاتحاد السوفيتي السابق تأسست جمهورية تركستان الشرقية في إيلي للمرة الثانية وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الحرب الداخلية الصينية الثانية التي إنتهت بتوحيد الصين من جديد، وتأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949 ، وفي سنة 1955 أصبح الإقليم منطقة شينجيانغ الذاتية الحكم لقومية الإيغور، يتمتع بكل ما تتمتع به الأقاليم الأربعة الأخرى ذاتية الحكم في الصين، التي من ضمنها إقليم منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوى  المسلمة الأكثر عددا من الإيغور،  ولا مشكلة لديهم مع الحكومة المركزية .
    الإيغور ورغم كونهم أغلبية في المنطقة التي تسمت بإسمهم إلا أنه هناك 47 قومية أخرى تعيش في الإقليم الذي تبلغ مساحته حوالي 1.66 مليون كلم2، وقد قفز الناتج المحلي الإجمالي له  من 550 مليون دولار سنة 1978 إلى حوالي 180 مليار دولار سنة 2018 .
الإقليم في لعبة الأمم الجديدة
    خلال ال 200 عام الماضية استحوذت  الدول الغربية على  المركز الاقتصادي والثقافي العالمي، وكذلك موقع الدولة العظمى الأولى . لكن العالم الآن يواجه تحولًا كبيرًا ، حيث يشهد حاليا تحول مركز الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق،  كما أن مركز الدولة العظمى الأولى سيئول لأول مرة إلى دولة غير غربية  ” هي الصين” هذه التحولات والتغيرات العميقة في بنية النظام الدولي،  وما تتسم به من حروب الاستراتيجيات، ومرحلة مخاض ميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب باتت تفرض نفسها بقوة على الساحة الدولية، والغرب قد استفاق بعد فوات الأوان،  والانشغال بالحرب مع روسيا تم استغلالنا فيها كوقود، وكنا أكثر المتضررين منها بل إن الحرب في نهاية المطاف باتت حرب على الإسلام والمسلمين  تحت مسميات كثيرة .
    الغرب الذي دعم الصين ماديا ومعنويا وتقنيا خلال الأربعين سنة الماضية بغية أن يقود التحول الاقتصادي فيها إلى تحول سياسي، ها هو يكتشف متأخرا أنه كان يؤسس أحلامه  على الهواء، وأن التحول الاقتصادي صيني  لم يساهم في التحول السياسي والقضاء على الحزب الشيوعي كما كان يتوقع بل أصبحت النجاحات الاقتصادية، وإخراج حوالي 850 مليون صيني من دائرة الفقر أكبر مصدر للشرعيىة السياسية للحزب الشيوعي الصيني الحاكم.
قامت القوى الغربية وعلى رأسها أمريكا بتبني  سلسلة إستراتيجيات لإبقاء التنين في القفص من أهمها تقوية علاقاتها مع دول منطقة المواجهة الجيوسياسية مع الصين  كأستراليا، اليابان، الفيتنام، ماليزيا، بروناي، بنغلاديش، كوريا الجنوبية وإندونيسيا وغيرهم؛ مما مكن أمريكا من إحكام سيطرتها على الممرات البحرية  المؤدية إلى الصين، خاصة مضيق ملقا الذي يفصل بين ماليزيا وإندونيسيا، والذي تمر منه  حوالي %75 من واردات الصين النفطية .
    جاء رد الصين سريعا سنة 2013 بتبني مبادرة ” الحزام والطريق”  التي كسرت الحصار الأمريكي بل أكثر من ذلك تسعى الصين من ورائها إلى قلب موازين القوى عالميا لصالحها عن الطريق السيطرة على التجارة العالمية، وتحويلها من تجارة بحرية إلى تجارة قارية، حينها  برزت العديد من الحجج المختلفة لتشويه سمعتها، بما في ذلك “نظرية التوسع الجغرافي” ، “نظرية الاستعمار الاقتصادي” ، “نظرية إمبريالية الديون” و “نظرية التدمير البيئي”و” نظرية تفكيك أوروبا ”  ومن أشهر تلك النظريات “دبلوماسية فخ الديون” لكن جميع حملات التشويه لم تنجح .
    تبنت أمريكا إستراتيجية أكثر خطورة  بالتدخل المباشر وغير المباشرة في الشأن الداخلي الصيني عن طريق التدخل في قضية هونغ كونغ و إقليم شينجيانغ الذي هو أحد أهم بوابات المبادرة وطريق الصين إلى مصادر الطاقة عالميا عن طريق  مينائ جوادر الباكستاني بعيدا عن القواعد العسكرية الأمريكية .
    أما تركيا التي إستعادت جزء كبير من مكانتها العالمية في ظل الحكم الرشيد لحزب العدالة والتنمية، والرئيس رجب طيب أردوغان ، وباتت تبحث لها عن موطئ قدم في أرض الأجداد آسيا الوسطى، و تبحث أكثر عن فوائد اقتصادية كمنافستها لابريطانيا على  إحتضان أكبر مركز خارج الصين  للتسوية بالعلمة الصينية، والبحث عن تمويل من البنك الآسيوي للاستثمار في النية التحتية في الصين لتحويل خط أنابيب للغاز يربط تركمانستان بأوروبا مرورا بتركيا، وربما البحث عن موطئ قدم لمن يسمون أنفسهم مجاهدي  الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية  كلها أمور تخص تركيا، و يجب السعي إلى تحقيقها من داخل الأرضي التركية لامن داخل أرض المنارة والرباط التي لم تكن يوما ولن تكون جزء من الامبراطورية العثمانية.
التقارب الإسلامي الصيني مفتاح إعادة إحياء طريق الحرير 
    ما يجب أن يفهمه العرب والمسلمين أن إقليم شينجيانغ جزء لا يتجزء من الصين، وأن الإيغور قومية أقلية من قوميات الصين المسلمة العشر، وما يجب أن تفهمه الصين أن التقارب الإسلامي الصيني هو مفتاح إعادة إحياء طريق الحرير، والتخلص من الهيمنة الغربية على العالم، وأنه من بين 65 بلداً التي تقع على طول نطاق طريق الحريرالقديم هناك 25  بلدا مسلما منضويا تحت سقف منظمة التعاون الإسلامي، وقد تستفيد الصين من تاريخ أجدادها الحكماء في التعامل مع المسلمين الذين وصل بهم التسامح والانفتاح إلى تعيين قضاة  مسلمين للحكم وفق مبادئ الشريعة الإسلامية بين المسلمين في الإمبراطورية الصينية قديما.
    وما يجب أن نفهمه نحن المسلمين والصينيين معا  أن فرصتنا التاريخية بإعادة المركز العالمي إلى الشرق قد جاءت،  ولا يجب تضييعها بحروب جانبية من صناعة الغير، أما ما يجب أن يفهمه إخوتنا في الدين الإيغور فهو أن الأمة بحاجة إلى من يجلب المنفعة لا المضرة .
    و إن كانت صناعة الورق قديما تعد المساهة صينية في بزوغ العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، فإن الحكمة الإسلامية تعد مساهمة في تشكيل قاعدة قوية للسلام بين المسلمين والصينيين دام حتى الآن، وهذا التلاقح الحضاري الإسلامي – الصيني كان ومازال وسيظل مصدرا للسلام العالمي،  وقبل أن نختم نتمنى أن تستفيد جمهورية الصين الشعبية الصديقة  من التجربة الموريتانية في محاربة الإرهاب .
د. يربان الخراشي
هذا ما استطعنا جمعه من معلومات خلال 24 ساعة

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لماذا لا يعترف بعض الناس أخطائهم ؟

كما قال ألكسندر بوب مرة : ” الخطأ من الإنسان والمغفرة من الرحمان”، ولكننا نعيش ...