قرأت لكم : المدللون … “Les enfants gâtés “PHILIPPE HERIAT

    بدأ اهتمامي بهذا الموضوع منذ سنة 2014 حين قراءتي لتقرير لليونيسيف حول وضعية التعليم في منطقة المغرب العربي وشمال غرب العربي وشمال إفريقيا MENA ورد فيه بأن التنشئة الاجتماعية بهذه المنطقة تؤدي إلى ظهور جيل جديد من الأطفال والشباب سماتهم الشخصية والاجتماعية توحي بكونهم أطفال مدللين بالمعنى المرضي للمصطلح .

    بعد الغوص قليلا في البحث من أجل الفهم المعمق لتاريخ هذا النوع من التنشئة الاجتماعية خصوصا في البلدان المتقدمة، تفاجأت أن أوروبا وأمريكا الشمالية سبق أن أوبأت بهذه الظاهرة خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية حين خرج المجتمع من أضرار اقتصادية واجتماعية ونفسية حادة، حيث لم تسلم أي عائلة من صدمات نفسية يصعب اندمالها بفعل موت الأقارب، وهتك نفسي من اغتصاب وإذلال وغيرهما. بعد الحرب مباشرة بدأ المجتمع يحاول الخروج من أزماته شيئا فشيئا خلال فترة إعادة البناء، ونظرا للنقص الحاد في عدد الساكنة بهذه الدول فقد تم اللجوء لجلب العمالة الخارجية تدريجيا موازاة مع تطور الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وعند بداية التعافي فقد ظهر ذلك على حياة المواطنين والمواطنات الذين بدأ تصنيفهم ضمن الطبقة المتوسطة، هذا التحول دفع العائلات وبدون قصد أن تعتني بأبنائها وتوفر لهم كل ما لم يستطع آباؤهم الحصول عليه سواء الذين عاشوا الحربين أو الذين عاشوا الحرب العالمية الثانية. فتم التسابق بين العائلات في توفير جميع الشروط اللازمة من أجل الدراسة والحنان، ظنا منهم أن ذلك هو السبيل الأمثل لضمان حياة ومستقبل أفضل.بعد خمسة عشرة سنة من نهاية الحرب بدأت تظهر بوادر ظواهر غريبة بدأت بتمرد تدريجي للأبناء على الضوابط العائلية، عدم القدرة على تحمل المسؤولية بالنسبة للذين نجحوا في مسارهم الدراسي، فكان ذلك دافعا للقيام بعدة دراسات اجتماعية في عدة جامعات أوروبية وأمريكية اهتم بنتائجها السياسيون من أجل تعديل المسار المجتمعي وفق آليات محددة وهي الفترة التي تم فيها طرح التساؤل : أي مواطن نريد ؟

    من بين الدراسات التي وجدتها أطروحات لازالت تثار فقراتها في البرلمان الأوربي كلما كان النقاش حول أي مواطن نريد، ويتعلق الأمر بالباحث النمساوي يوهانسن ستاور الذي تكلم وشرح لأول مرة ظاهرة الأطفال المدللين بالمجتمع ومن أهم استنتاجاته :

  • ظاهرة الأطفال المدللين تبدأ من لبنة المجتمع أي العائلة، وهي رد فعل طبيعي لعائلة من طبقة متوسطة تريد أن يكون ابنها أحسن منها وأن توفر له كل الشروط من أجل النجاح ومهمته أن يدرس ويتعلم وأن يعيش حياة سعيدة، اي أن القصد من الأبوين كان غمر الأبناء بالحب والرعاية اللازمتين.
  • يبدأ التنافس بين العائلات في المجتمع من أجل نفس الهدف، كالتنافس حول مدارس ومعاهد بعينها أي تم خلق نموذج بعينه حول مفهوم النجاح في الحياة،
  • كان طبيعيا أن كل الأبناء ليس باستطاعتهم تحقيق نفس الهدف وبالتالي بدأت بوادر ظهور طبقة من الفاشلين بين قوسين من بين مكونات المجتمع،
  • توسع التمرد ليتعدى العائلة إلى المجتمع ومنظوماته وضوابطه،
  • انتهى الأمر بالتمرد الشبابي الذي ظهر في نهاية الستينات لانتقاد منظومات التعليم بالأساس كركيزة للتنشئة الاجتماعية وظهور عدة فرق موسيقية تبنت هذا الطرح ” Pink Floyd و Beatles ”
  • حينها قام المجتمع بإعادة النظر في عديد من باراديغماته لازالت مستمرة وديناميكية إلى يومنا.

    أما عندنا في المغرب فقد بدأت الظاهرة تستفحل في النصف الأخير من التسعينات موازاة مع التحسن الذي عرفه نظام الأجور آنذاك، وتغير المنظومة الأسرية التي تحولت من العائلة الممتدة إلى الأسرة النووية، هذا التغير تم بموازاة مع تحولات عميقة في النظام التعليمي الذي ولجه متغير قوي ألا وهو المدرسة الخصوصية، كما أن التحول الاقتصادي المجتمعي حتم أن يكون الأب مسؤولا عن الوضع المادي للأسرة مما فسح المجال أكثر للأمهات بتدبير الشأن التربوي للأبناء وهذا ما يلاحظ حاليا من غياب للأباء عن المدارس بينما تعيش هذه الأخيرة تجمهرا يوميا أمام المؤسسات بما في ذلك من إيجابيات وسلبيات .

    يربى الطفل على المنافسة في الدراسة وهو ما أطلق عليه Zeringer.L : دُرِّب ليقتل dressé pour tuer أي مواطن أناني لايحب أن يكون أحد أفضل منه، مما ولَّد آفات مجتمعية للأسف تبناها قسط كبير من المجتمع وتتجلى بشكل كبير في ظاهرة الغش التي انخرط فيها الأباء كذلك “النتيجة ولا تهم الطريقة” وإن تمت مناوئتها أي طريقة الغش يتم اللجوء إلى العنف اللفظي والجسدي داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها . الدراسة التي سبقت الإشارة إليها في تقرير اليونيسكو طرحت ظاهرة تفوق الإناث على الذكور وهو ما نشهده في جل المؤسسات الجامعية والمعاهد الكبرى وكليات الطب والصيدلة ومدارس المهندسين، وربطت الدراسة ذلك ب”المسؤولية” أي التربية على تحمل المسؤولية، فالطفل الذكر ومن خلال تنشئته غير مطالب بكثير من الضوابط في المنزل مثل وقت الدخول والخروج، الإلتزام بقواعد البيت، أما البنت فلا يسمح لها بذلك ومطلوب منها إعانة أمها في المنزل، كل هذا خلق لدى بناتنا حسا من المسؤولية تفوّقن به على الذكور .

    لكن المعضلة ستستفحل حين كبرت أرقام المعدلات وتزايد عدد الباحثين عن العمل من ذوي الشهادات الجامعية العليا ” الدكتوراه ، الماستر، الهندسة …” أو القبول بأجور ضعيفة لا توازي الحلم الذي كان يراود الشاب أو عائلته، فمنهم من أصيب بالاكتئاب ومنهم كثيرون حملوا حقائبهم لأرض الله الواسعة .

    لكن دراسة حديثة حول أسباب عطالة الشباب أبانت عن كون تكوينهم لم يكن منتجا ، وينحو بشكل كبير نحو الجانب النظري، وعدم القدرة على الابداع Conformisme والأهم الاتسام بالأنانية والرغبة في الوصول لأعلى الدرجات والمناصب و العيش بطريقة أعلى من قدراته المادية .

    لكي لا أطيل سأعرج بكم للجانب الباثولوجي للأطفال المدللين للإشارة فالإنسان يمكن أن يبقى طفلا مدللا ولو صار كهلا، ولكي يصير كذلك ما عليك إلا فعل الأمر التالي :

  • طفلك الذي في المهد احمله وهدهده كلما بادر بالبكاء، فالطفل ولو في صغره يفهم معنى الابتزاز،
  • إذا خرج معك للسوق فلبي كل حاجياته تفاديا للبكاء ولكي لا يفضحك أثناء التسوق،
  • اشتري له أفخر اللباس وساعده أن يظهر بمظهر فوق الجميع،
  • دعمه بفيلق من الأساتذة للساعات الاضافية،
  • أحسسه أنك ميسور ولو كان ذلك من خلال قروض لا يراها هو ولا يعرف المعاناة التي تعانيها للربط بين أول الشهر وآخره،

أما السمات النفسية والسلوكية للطفل المدلل :

  • أناني حتى النخاع، يريد أن يحصل على كل شيء بكل الطرق وإن استعصى عليه الأمر فبالصراخ،
  • هو دائما على حق ولا يقبل نجاح الآخرين، يصبح عدوا للتفوق،
  • ليس له ضوابط أخلاقية ، ناكر للجميل، متملق مادام يستفيد و ينقلب 180درجة في حالة انقطاعها،
  • لايعرف المسؤولية ولايستطيع تحملها، حياته كلها ريع،
  • فاشل في حياته العائلية، ويستعمل البكاء أو العويل والصراخ لكي يتم إخراجه من الورطات التي يورط نفسه وعائلته فيها.

    في الأخير أقول لكم أن هذا النمط استفحل بقوة في مجتمعنا والدليل على ذلك الصياح والعويل والوعيد والسب والشتم الذي عدنا نصبح عليه ونمسي وذلك من خلف ستار رقمي إسمه الفيسبوك فقط من أجل أخذ امتياز غير مقدور عليه، أو رؤية نجاح لشخص آخر .

عن هيئة التحرير

تعليق واحد

  1. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإسلام والتشريع .. لماذا تُعطّل المرجعية الإسلامية في وضع التشريعات في المغرب؟

لإبراهيم الطالب عن موقع : مركز يقين     نعيش في المغرب حِراكات كثيرة، ولعل ...