24 ساعةالواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

قراءة في العمل الشعري”قرابين”للشاعر مصطفى ملح

بقلم : عدنان مشهي

صدر كتاب “قرابين” في طبعته الأولى أواخر سنة 2025 ، للشاعر المغربي مصطفى ملح ضمن منشورات الأطلس للثقافة والإبداع، في عمل شعري يفتح نافذة خاصة على مرحلة مبكرة من التجربة الإبداعية للشاعر. وقد زين غلاف الكتاب بصورة فوتوغرافية للفنان التشكيلي مصطفى عاقل، فيما تولّى تصميم الغلاف المبدع حسن يارتي، وهو ما يضفي على الكتاب بعدا بصريا وجماليا يوازي عمقه الشعري.
منذ الصفحات الأولى، يضع الشاعر القارئ أمام مفارقة زمنية لافتة؛ إذ يكشف في مقدمته أن نصوص هذه المجموعة كتبت في منتصف التسعينات، خلال مرحلة التحصيل الجامعي، باعتبارها تحبيرته الأولى في الكتابة الشعرية. غير أن هذه النصوص لم تنشر آنذاك، بل ظل الشاعر محتفظا بها لسنوات طويلة، قبل أن يقرر إصدارها اليوم، بعد مسار إبداعي غني ترسخ فيه اسمه من خلال أعمال متعددة في الشعر والرواية وأدب الأطفال.
هنا يبرز سؤال نقدي مشروع: لماذا لم ينشر الشاعر هذه النصوص في بداياته الأولى، ضمن أول إصدار شعري له؟ ولماذا اختار أن يقدمها الآن، بعد أن نضجت تجربته وتعددت إصداراته؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى تأمل طبيعة الشعر نفسه؛ فالشعر لا يخضع لتراتبية زمنية صارمة، ولا يمكن حصره في منطق البدايات والنهايات. فكم من نص شعري يظل حيا بعد عقود طويلة، متجاوزا زمن كتابته. ولعل هذا ما يجعلنا نستحضر تجربة الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي؛ وغيره كثير ، إذ يصعب على القارئ في كثير من الأحيان أن يميز بوضوح بين شعر بداياته وشعر مراحله المتأخرة، لأن القصيدة الحقيقية تتجاوز زمنها لتدخل في أفق الشعر الخالد.
من هذا المنظور يمكن قراءة “قرابين” بوصفها عودة واعية إلى الجذور. فالشاعر لا يقدم هذه النصوص باعتبارها مجرد تمرينات أولى، بل يضعها أمام القارئ بثقة واضحة، كأنه يكشف عن المنبع الأول لشجرته الشعرية. فالجذور، وإن بدت خفية تحت التراب، تظل هي التي تمنح الشجرة قوتها واستمرارها.

العنوان: “قرابين” بوصفه مفتاحا تأويليا

يحمل عنوان المجموعة “قرابين” دلالة رمزية عميقة. فالقرابين في الوعي الثقافي والروحي هي ما يقدمه الإنسان قربانا في سبيل قيمة أعلى أو إيمان أعمق. وفي السياق الشعري للمجموعة، يمكن النظر إلى هذه النصوص بوصفها قرابين لغوية يقدمها الشاعر إلى محراب الشعر.
إنها نصوص تنطوي على قدر من البوح والصدق، كأن الشاعر يضع فيها شيئا من ذاته الأولى، من أسئلته الوجودية ومن قلقه الداخلي. ومن هنا يصبح العنوان مفتاحا تأويليا لفهم روح الكتاب، حيث تتحول النصوص الشعرية إلى طقوس للتطهر والبحث عن المعنى.

الصورة الشعرية في نص “ابن النخلة”
يقول الشاعر في ص 7 :
“كأني أراهم جميعا
وهم حول مائدتي يسكبون نبيذا
وينتظرون سقوط الجسد
أرى كيف يفترسون عشائي الأخير
وينصرفون بعيدا بعيدا…”
يحضر في هذا المقطع مشهد شعري كثيف الرمزية، تتداخل فيه صورة المائدة مع انتظار سقوط الجسد، بما يخلق إحساسا دراميا يوحي بوجود خيانة أو افتراس رمزي. فالمائدة التي يفترض أن تكون فضاء للمشاركة تتحول هنا إلى فضاء للتربص، حيث ينتظر الآخرون لحظة الانكسار.
تشي هذه الصورة بحس مأساوي مبكر في التجربة الشعرية للشاعر، إذ تتحول التفاصيل اليومية إلى استعارات وجودية تعكس هشاشة الإنسان في مواجهة العالم.
سؤال الهوية في “تفاصيل حول نكسات عائلية”
في ص 22 يطرح الشاعر: سؤالا وجوديا جوهريا:
“من أنا؟
أبحث عني داخلي
في صفحة الموتى
وفي ليل المقاهي
في بريد لم يصل بعد
وفي أشرعة النهر
ولكن من أنا؟…”
يبدو الشاعر هنا في حالة بحث دائم عن ذاته، متنقلا بين أمكنة رمزية متعددة: الموتى، المقاهي، الرسائل الضائعة، وأشرعة النهر. وكل هذه الصور توحي بتشتت الذات بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والانتظار.
ويعود السؤال في مقطع آخر:ص29
“..من أنا؟
أسأل الموتى وشرطي النهار
أسأل الحارس في باب القطار
أسأل النادل والسكير
لأني غير موجود… وموجود… “
تكشف هذه المفارقة الوجودية عن وعي مبكر بأسئلة الكينونة، حيث يجد الشاعر نفسه معلقًا بين الحضور والغياب، بين الوجود واللاوجود.
المدينة كذاكرة جرح: “برشيد”
من أبرز لحظات الصدق الشعري في المجموعة حضور مدينة برشيد، مسقط رأس الشاعر. ففي ص75 يقول:
“المدينة تفتك بي
تتقيؤني
ثم تحلب قلبي دما…”
تظهر المدينة هنا ككائن حي يمارس سلطة قاسية على الشاعر، في علاقة مركبة تجمع بين الانتماء والجرح. ويضيف الشاعر:
هي برشيد أول ليل تشردت فيه
فضيعت ظلي وآثار خطوي
هي البرج لا بد أهدمه.
تتحول المدينة في هذا المقطع إلى فضاء للذاكرة الأولى، حيث تبدأ تجربة التشرد والبحث عن الذات. أما “البرج” الذي ينبغي هدمه فيحمل دلالة رمزية على ضرورة تحطيم القيود الأولى التي تعيق الحرية الداخلية.

الإهداء بوصفه حوارا شعريا

من الملامح اللافتة في المجموعة وجود نصوص مهداة إلى شعراء كبار، مثل النص المهدى إلى روح الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، والنص المهدى إلى الشاعر المغربي عبد الكريم الطبال.
تكشف هذه الإهداءات عن وعي الشاعر بانتمائه إلى سلسلة شعرية ممتدة، حيث يتحاور مع أصوات سبقت تجربته وأسهمت في تشكيل وعيه الجمالي.
الإنسان المعلق بين الرغبة والإيمان
في قصيدة “رجل معلق فوق الهواء” يقول الشاعر:
ماذا أسمي جسدا يموت بالتقسيط
في معترك الرغبة والإيمان
لا أحلم ولكني أحاول اجتلاب الحق.
يعكس هذا المقطع صراعا داخليا بين الجسد والروح، بين الرغبة والإيمان. فالإنسان هنا يبدو ككائن معلق بين قوتين متناقضتين، يعيش حالة استنزاف تدريجي، لكنه في الوقت نفسه يواصل البحث عن الحقيقة.
تقدم مجموعة “قرابين” للشاعر مصطفى ملح تجربة شعرية تكشف الجذور الأولى للقصيدة في مساره الإبداعي. إنها نصوص تعود إلى لحظة التكوين، لكنها تحمل في طياتها بذور الأسئلة الكبرى التي سترافق الشاعر في أعماله اللاحقة.
وبذلك لا تبدو هذه المجموعة مجرد استعادة لمرحلة قديمة، بل هي كشف عن المنبع الأول للكتابة، حيث تتشكل العلاقة الأولى بين الشاعر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى