قراءة في كتاب “الجديدة بين الأمس واليوم” للكاتب خالد الخضري

بقلم : إبراهيم الحجري
***********
نشر الروائي والناقد الأدبي الدكتور إبراهيم الحجري بجريدة (القدس العربي) يوم الخميس 3 سبتمبر 2020 قراءة تحليلية لكتاب (الجديدة بين الأمس واليوم) لنورس البريجة تحت عنوان: “مسارات متقاطعة من الإبداع إلى تدوين الذاكرة”.. وهي نفس المادة التي قدم بها الكتاب المذكور في 5 صفحات من ص 8 إلى 12.. كما تعتبر قراءة في شخص الكاتب ذاته وفي كيفية وأساليب ومواد اشتغاله. نظرا لأهمية المادة أنشرها فيما يلي:
*******************
خالد الخضري كاتب متعدد ينهل من موسوعية ثقافية دسمة ومتنوعة، لسببين:
– كونها تستمد كينونتها من العمق المغربي على مستوى طبيعة المواد المشتغل بها من جهة، ومن العمق المنهجيّ على مستوى المقاربات التحليلية الرصينة التي يتسلح بها الرجل، وهو يباشر أعماله المتنوعة.
– كونها تراهن بصدق، على توثيق الذاكرة والهوية في بعديهما المحلي والوطني، دون تمييز بين ثقافة رسمية وثقافة شعبية، انبثاقا عن وعي مسبق بأهمية كلا النموذجين في تأثيث أرشيفات الذاكرة، وتثبيت الخصوصية.
ينطلق خالد الخضري في مقاربة مواده من منظورات متعددة؛ لكنها متكاملة:
1. منظور المبدع: حيث ينشغل بكتابة السيناريو، وكتابة الشعر والزجل والمذكرات وأنواع من السرود ذات البعد الذاتي، حيث تجسد كثير من أعماله في شكل تحف فنية تفاعل معها جمهور المتلقين المغاربة بشكل إيجابيّ، وبعضها ما يزال ينتظر دوره، كما أن بعض قصائده تحولت إلى أغان واسعة الانتشار.
2. منظور الناقد: إذ يتسلح الباحث بمعرفة منهجية، وخبرات إنسانية، وأدوات تحليلية راهنة تنهل من خلفيات ابستيمولوجية عامة تؤهله لتناول موضوعات شديدة التقاطع والتعدد، في شمولية لا تخلع عن الخاص خصوصيته، ولا عن العام عموميته، بل تروم رسم الصّورة البانورامية الغميسة التي تلتقط البعد الإنساني الكلي في حركيته المتواصلة، وتحولاته المتسارعة بين النكوص والصعود، سالكا في ذلك، طريق الإثنوغرافيّ من جهة، الذي يوثق للحظة وامضة تقطر بالقيم، والتفاصيل الإنسانية المكثفة، وناهجا طريق المفكك للظواهر الأدبية والاجتماعية والفنية والثقافية والسياسية، بمقاربة منفتحة، تستثمر مفاهيم عديدة، تستلهم من مجالات مختلفة؛ حسب طبيعة المواد المعالجة وخصوصيتها النوعية.
واللافت للنظر أنّ خالد الخضري لا يميز بين هاته المنظورات إبّان اشتغاله المتعدّد، بل يوظفها، بشكل متداخل، تبعا للحاجة الإبستمولوجية اللصيقة بالموضوع، وحسب ما تمليه لحظة التفاعل الذاتي للتناول، فهو يحلل متونه بمنطق حر، وطليق، سواء كانت شفهية أم مكتوبة، شعبية أم رسمية، ذاتية أم جمعية. وكل ذلك يتمّ بسلاسة ومرونة كبيرتين، بصورة تتناغم فيها العناصر، والأدبيات، والخبرات، والذكريات، والمشاهدات التي تنم عن حسّ مرهف، وروح عالية الخفق، وذكاء نادر، وسعة اطلاع، وذاكرة قوية تلتقط حتى التفاصيل الدقيقة.
يتضمن كتاب “الجديدة بين الأمس واليوم” الذي بين يدينا، زبدة عمل متواصل على مدى عدد من السنوات، وحفريات تطول مجالات شتى، من فنون، وآداب، وثقافة شعبية، وسينما، ومسرح، وتراث حرفي… الغرض منها توثيق ما لا يوثقه التاريخ الرسمي من علامات فارقة يراها الكاتب مهمة جدا، ومفصلية في تشكيل الذات الفردية والجماعية، وحماية الهوية الثقافية المحلية، وهو ما يحمد لهذا العمل الباذخ، إذ يعد منجزا نادرا يلتفت، بشكل أساس، إلى العناصر المهملة في ممارستنا الجمعية اليومية، التي لا يمكن التعبير عن الهوية والخصوصية في غنى عنها.
ينفرد الباحث الخضري بميزة كونه يوثق للحظات المنفلتة من ذاكرتنا الثقافية في بعديها المحلي والوطني، لكن دونما تفريط في خاصية التحليل، والتفكيك، وإعادة التركيب التي يتّسم بها أسلوبه في تناول الموضوعات والظواهر، ممّا يجعل الكتاب هدية للفرد، والجماعة، والمؤسّسة معا، إذ إنه، بفضل أسلوبه السّلس، ولغته الشّفافة، يشكّل مرجعا للفرد مهما كان مستواه المعرفي.
وبالنظر للمعطيات التي يزخر بها المؤلف، فهو يجسد مرجعا ثريا للباحثين في مجال الثقافة المنسية والتراث المحلي. وباعتبار دقّة التوصيف على مستوى المواد والظواهر المنتقاة للدّراسة، يمثل موسوعة مهمّة للمؤسّسة الثقافية في حالة إذا ما أرادت تثبيت معلوماتها حول المجال، وتحيين أرشيفاتها وبياناتها حول المكون الرمزيّ للمحيط الذي تشرف عليه، ويدخل في نطاقها.
إنّ الأستاذ الخضري، بهذا العمل العظيم الذي كرس الجهد للمّ شتات أعلام بارزين في المنطقة (دكّالة)، وظواهر استثنائية على مستوى الفنّ، والإبداع، والصّنعة، والمهارات اليدوية والحرفية، والفلكلور الشعبي، وفنون الأداء، والتشكيل، والكتابة الأدبية، والممارسات الشفهية، ينوب عن المؤسسات، ويعمل عمل الفرق البحثيّة، والمواقع الجامعية التي، للأسف الشديد، نفضت يديها من القيام بمهامها الإشعاعية والبحثية التي تنشغل بالمحيط الذي توجد فيه، وانصرفت للمسائل والقضايا النظرية المستعادة، وترديد المسكوكات، هادرة بذلك، الجهد، والمال، والطاقات البشرية في ما لا يفيد البلاد والعباد، والنتيجة هو أنّ آلاف الخريجين معطوبون لا قدرة لهم على مباشرة البحث، وتقديم الإضافة المرجوّة في مجال تخصصاتهم.
يستغلّ الخضري على مستويات متعدّدة ومفتوحة، موسّعا أفق نظره من منظورات مختلفة، فهو تارة إثنوغرافي، وتارة ناقد أدبي، وتارة أخرى محلّل سرديّ، وتارات أخرى أنثروبولوجيّ يجمع المادّة، ويناقشها، ويفكّكها، في الآن ذاته، وأحيانا نلفيه أركيولوجي ينقب عن التراث المنسيّ والثقافة الشفهية الغابرة، مستنطقا الآثار والعلامات المفضية إليها.
3. منظور الأركيولوجي: يجسد هذا العمل الموسوعي خبرة المؤلف في مجال الحفريات، ذاك أنه يسعى لجمع مادة تكاد تندثر دون أن تنتبه إليها المؤسسات المعنية بداعي الغيرة والانتماء والهوية، وهذا الأمر يتطلب، فضلا عن الذكاء والأدوات البحثية الإجرائية، درجة عالية من الصبر والتحمل على الاستقصاء، واقتفاء أثر المادة البحثية، خاصة أنها في الغالب، مادة شفهية تتوزع على الذاكرات الفردية والمحفوظات الإنسانية المختلفة التي يصل أحيانا، درجة التناقض والاختلاف، غير أنّ الباحث الخضريّ، بفطنته وذكائه، يستطيع التمييز بين العناصر، وموازنتها، واختيار الأنسب منها.
وسبق القول إنّ الرّجل استفاد من تكوينه الشامل في مجال المناهج البحثية، الشيء الذي خوّل له القيام بحفريات في مجال الفنّ الشعبيّ بشتّى تلويناته، وتفرّعاته، ومجال المهن التي باتت مهدّدة بالانقراض، وكتابة سير بعض الحرفيّين، والمهنيّين، والأمكنة والفضاءات الشهيرة التي عجل الزحف الإسمنتي في القضاء عليها، بل إنه أحيانا، يكتب عن أشياء، وممارسات، ووجوه، وأمكنة ما عادت موجودة، ولا يعرفها الجيل الجديد. وهذا يعدّ، في حد ذاته، عملا خلاقا جديرا بالتقدير والتثمين، وهو عمل، بقدر ما يمكن للأفراد القيام به، فإنه لا يمكن أن نخلي مسؤولية المؤسسات المجتمعية ذات الصلة، من الاضطلاع بدعمه، وحفزه، حتّى يكون مكتملا، وشاملا.
4. المنظور الذاتي: يتضح البعد الذاتي لهذا العمل في كونه يوثق، في الآن نفسه، لانشغالات المبدع المتعدد والباحث خالد الخضريّ، ويكتب سيرته الشخصية بشكل ضمنيّ، بمعنى أنه يرصد طبيعة وعيه بالعالم والأشياء، ويدوّن مستويات الرؤية لديه في أبعادها المختلفة، التي بقدر ما تحمل تعددا وتباعدا، فهي تلمّح لعمل متناسق الأسيجة، والحدود، والأنساق، والرؤى؛ بما يمنح المشروع الثقافيّ لدى الباحث سمة الجدّة والابتكاريّة والرّاهنية.
5. المنظور التصويري: يوازن المشروع الخضري في التوثيق والحفريات والتدوين بين الكتابة والتصوير الفيلمي أو الفيلم الوثائقي الذي ينقل صدى الثقافة بالصور وبالكلمات معا، وهو وعي متجذر في شخصيته الثقافية المتعددة، يؤمن بأهمية الانخراط في عصر المعلومة، وعصر الصورة، وعهد التكنولوجيا، وطفرة الوسيط الجديد، بلا أدنى تردد، إنْ نحنُ أردنا السيرَ قُدما في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسدنا الثقافيّ الغميس، والرّهان على المستقبل.
خلاصة القول، إنّ العملَ الذي يقوم به الأستاذُ خالد الخضري، في هذا الكتاب الموسوعي، عملٌ يجدر بكل الأفراد الذين لهم القدرة، والكفاءة اللازمة، القيامَ به بكل تفانٍ وأريحيةٍ ومحبةٍ، لأنه مشروعٌ جماعيّ، وليس واجبا فرديا، مثلما يجبُ على كل المؤسسات المعنية الانخراط فيه، ودعم من لديه الغيرة من المثقفين والمختصين من أجل إعطاء كلّ ما لديهم من مهارات، وتجاربَ حتّى لا تضيع ذخيرتُنا الحضاريّةُ، وتبقى حصنا منيعا للهوية الثقافية المغربية، على مستوى الجهات والأقاليم، والمراكز والهوامش على حدّ سواء، انسجاما مع رؤيا الأستاذ الخضري الذي يؤمن، من خلال تمثيله للخصوصية الثقافية والإبداعية، بأنّ تاريخ الأمم تكتبه الهوامش مثلما تكتبه المراكز، ويدوّن في الحواشي مثلما يدوّن في الحواضر.
…………………………………………….
(*) إبراهيم الحجري- ناقد وروائي

 

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

وزارة التربية الوطنية تكشف حقيقة تأجيل الامتحان الجهوي للسنة أولى بكالوريا

    نفت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي (قطاع التربية الوطنية) ...