الواجهةمجرد رأي

قراءة مقاصدية نقدية في مشروع جماعة العدل والإحسان

بقلم:الشيخ الصادق أحمد العثماني

الطموح المهدوي وحدود الواقع السياسي..قراءة مقاصدية نقدية في مشروع جماعة العدل والإحسان المغربية
——————————————
تُعد جماعة العدل والإحسان من أبرز الظواهر الإسلامية الحركية في السياق المغربي والعربي المعاصر، ليس فقط من حيث حضورها الاجتماعي والسياسي، بل من حيث طبيعة مشروعها الفكري المركب الذي أسسه وبلوره مرشدها الراحل عبد السلام ياسين. فقد سعى هذا المشروع إلى تقديم رؤية شاملة للإصلاح الإسلامي، تجمع بين التربية الروحية ذات المرجعية الصوفية، وبين الطموح السياسي القائم على فكرة “المنهاج النبوي” وإعادة بناء الأمة على أساس ديني حضاري متكامل. غير أن هذا البناء، رغم غناه الرمزي والأخلاقي، يطرح إشكالات عميقة حين يُقرأ قراءة فلسفية مقاصدية، تتعلق بمنهج المعرفة، وبنية السلطة داخل التنظيم، وحدود العلاقة بين الغيب والسياسة، وبين المثال والواقع.
إن أول ما يميز هذا المشروع هو غلبة الطابع التربوي الوجداني على البعد التحليلي النقدي . فالخطاب المؤسس يعتمد لغة كثيفة مشبعة بالدلالات الروحية والأخلاقية، تستثمر المفاهيم القرآنية في بناء رؤية كلية للعالم، لكنها في المقابل لا تقدم دائما أدوات تحليل مفاهيمي صارم للواقع السياسي والاجتماعي. وهذا ما يجعل المشروع أقرب إلى رؤية شمولية طوباوية ذات بعد تعبوي، منه إلى نظرية سياسية قابلة للاختبار المؤسسي والمراجعة النقدية .
ومن الإشكالات المركزية كذلك طبيعة العلاقة بين التصوف والسياسة داخل المشروع . فالتصوف في تاريخه الكلاسيكي يقوم على تهذيب النفس وتزكيتها والزهد في السلطة، بينما يقوم المشروع الحركي للجماعة على فكرة التغيير السياسي الشامل وإقامة نموذج “الخلافة على منهاج النبوة”. هذا التداخل غير المحسوم بين الروحي والسياسي أنتج خطابا مزدوجا يجمع بين المثال الصوفي والطموح السياسي، دون ضبط دقيق للفصل بين مجالي التربية الروحية وإدارة الدولة .
ومن زاوية مقاصد الشريعة، يلاحظ أن تصور التغيير داخل المشروع يميل أحيانا إلى المثالية الشاملة، حيث يتم التركيز على الغايات الكبرى دون بناء كاف لفقه الوسائل والمآلات . فالمقاصد الشرعية في جوهرها تقوم على تحقيق المصالح ودرء المفاسد وفق السنن الاجتماعية والتدرج والإمكان، بينما يغيب أحيانا هذا البعد الواقعي لصالح خطاب تغييري شامل يراهن على التحول الكلي دون تفصيل مؤسساتي واضح .
وفي هذا السياق، يبرز عنصر آخر أكثر حساسية، يتعلق بتوظيف “الرؤى المنامية” داخل بعض الأوساط التربوية والتنظيمية للجماعة، حيث تحولت في بعض الحالات إلى مؤشرات رمزية تُقرأ بوصفها بشارات أو إشارات مستقبلية. وقد ساد في بعض الفترات تصور مفاده أن سنة 2006 قد تشهد تحولا تاريخيا كبيرا في المغرب مرتبطا بقيام “القومة” أو “الخلافة”، بناء على تأويلات رؤيوية متداولة داخل البيئة التنظيمية لجماعة العدل والإحسان .
غير أن هذا التوجه يطرح إشكالا معرفيا ومنهجيا عميقا، لأن الرؤيا في التصور الإسلامي، رغم الاعتراف بها كخبر فردي محتمل الصدق، لا تُعد مصدرا للمعرفة العامة ولا أساسا لبناء القرار السياسي أو التاريخي. وقد استقر في علم أصول الفقه أن الرؤيا لا يترتب عليها حكم شرعي ولا مشروع جماعي، لأن المجال العام محكوم بالعقل والاجتهاد والشورى واعتبار السنن، لا بالتجربة الغيبية الفردية. ومن ثم فإن إدخال المنامات في صناعة القرار الجماعي يؤدي إلى خلط بين التجربة الروحية الخاصة والبناء السياسي العام.
ومن الناحية الفلسفية، ينتج عن ذلك تشكل وعي رمزي مغلق يعيد تفسير الواقع السياسي والاجتماعي من خلال شبكة تأويلية غيبية، بدل الاعتماد على التحليل العلمي للمعطيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا النمط من الوعي يمنح شعورا بالمعنى والاصطفاء، لكنه يضعف القدرة على النقد الذاتي وعلى مراجعة الفرضيات عند عدم تحقق النتائج.
ولتوضيح هذا الإشكال، يمكن استحضار نماذج تاريخية في التجربة الإسلامية، حيث أدى التداخل بين الغيب والسياسة إلى إنتاج مشاريع كبرى ذات طابع طوباوي أو مغلق. ففي التجربة المهدوية، تحولت فكرة المهدي المنتظر في بعض السياقات من بعد عقدي رمزي إلى مشروع سياسي مباشر، أدى إلى قيام حركات رفعت شعار الإصلاح النهائي للعالم الإسلامي، لكنها اصطدمت بحدود الواقع التاريخي والاجتماعي وتعقيداته.
كما يمكن الإشارة إلى تجربة جماعة الحشاشين في التاريخ الإسلامي الوسيط، حيث تداخل التنظيم المغلق مع التأويل الباطني للنصوص، وبرزت السرية والطاعة المطلقة والرمزية الغيبية كعناصر أساسية في تشكيل الوعي الجماعي. وقد أدى ذلك إلى إنتاج نموذج تنظيمي شديد الانغلاق، يبتعد عن منطق المجال العام العقلاني المفتوح، ويعتمد على التأويل الخاص للمعرفة الدينية.
ولا يُقصد من هذه الأمثلة الموازنة الحرفية أو التسوية بين التجارب، بل إبراز نمط منهجي متكرر حين يتحول البعد الرمزي أو الغيبي من معناه الفردي إلى أداة في بناء مشروع سياسي شامل، وهو ما يطرح سؤال حدود توظيف المقدس في المجال العام .
ومن زاوية أخرى، تبرز مفارقة داخلية مهمة في تجربة جماعة العدل والإحسان، تتعلق بمبدأ الشورى. فهي على المستوى النظري تنتقد غياب الديمقراطية وحرية التعبير داخل الدولة المغربية، وتدعو إلى توسيع المشاركة السياسية، لكنها على المستوى التنظيمي الداخلي تُدار بآليات مركزية ترتبط بالقيادة الروحية والتنظيمية، حيث لا تتجسد الشورى دائما كمؤسسة تداولية حقيقية تسمح بتعدد الرأي داخل دوائر القرار العليا.
كما أن بعض الممارسات التنظيمية تُظهر أن الأعضاء الذين يطرحون نقدا بنيويا أو يدعون إلى تجديد فكري أو مراجعة داخلية قد يواجهون التهميش أو الإقصاء التنظيمي بأشكال مختلفة، مما يكشف توترا بين الخطاب الخارجي والممارسة الداخلية. وهذه المفارقة تصبح أكثر دلالة حين تُقارن بخطاب الجماعة الموجه للدولة، حيث تُطالب بحرية النقد والتعبير وتوسيع المجال الديمقراطي. وهو ما يخلق فجوة بين المبدأ المعلن والتطبيق الداخلي، يمكن وصفها بأنها خلل في الاتساق الأخلاقي للممارسة السياسية.
ومن جهة أخرى، فإن البنية التنظيمية للجماعة، رغم طابعها الدعوي والتربوي، تعاني من مركزية رمزية قوية حول شخصية المرشد، حيث تتخذ البيعة التربوية بعدا روحيا يرسخ علاقة طاعة وجدانية وتنظيمية، مما يحد من إمكانات النقد الداخلي ويؤثر على دينامية التجديد الفكري داخل التنظيم.
أما على مستوى العلاقة مع الدولة الحديثة، فإن المشروع يواجه تحديا في التوفيق بين التصور الإسلامي الشمولي للدولة وبين مفاهيم الدولة المعاصرة القائمة على المواطنة والتعددية والفصل بين السلطات وحقوق الإنسان. فغياب تفصيل مؤسساتي دقيق لهذا التوفيق يجعل المشروع أقرب إلى الرؤية القيمية العامة منه إلى النموذج السياسي القابل للتطبيق.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الجماعة قدمت تجربة مهمة في العمل الدعوي والتربوي، ونجحت في بناء تنظيم اجتماعي واسع، كما حافظت في العموم على خيار سلمي في العمل السياسي، في سياق إقليمي عرف تجارب عنف متعددة. غير أن هذا لا يلغي ضرورة التفكيك النقدي لمشروعها الفكري، لأن حسن النوايا لا يعوض عن إشكالات المنهج والبناء النظري .
في الختام، يمكن القول إن مشروع عبد السلام ياسين وجماعة العدل والإحسان يمثل محاولة كبرى لإعادة بناء العلاقة بين الدين والسياسة في السياق المعاصر، لكنه ظل محكوما بتوترات بين الروحي والسياسي، وبين الرمزي والمؤسساتي، وبين المثال والواقع. ومن هنا تأتي الحاجة إلى قراءة فلسفية مقاصدية نقدية تعيد الاعتبار للعقل والاجتهاد واعتبار السنن، وتفصل بين الدين كقيمة روحية وأخلاقية سامية، وبين توظيفه في بناء مشاريع سياسية مغلقة أو تأويلات غيبية تدّعي امتلاك الحقيقة التاريخية.
إن تجاوز هذه الإشكالات لا يكون بالرفض أو التمجيد، بل بإعادة إدخال النقد العقلي والمقاصدي إلى قلب الفكر الإسلامي المعاصر، بما يسمح ببناء وعي ديني منفتح، ومجال سياسي تعددي، وتجربة إصلاحية أكثر واقعية واتساقا مع سنن التاريخ والاجتماع الإنساني .

الشيخ الصادق أحمد العثماني
أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى