الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

“قصتي مع الحركة الإسلامية”


✒️دكتور حسن مكي محمد أحمد

مقدمة

♟️يمثل كتاب “قصتي مع الحركة الإسلامية” للدكتور حسن مكي محمد أحمد شهادة تاريخية مهمة عن مسيرة الحركة الإسلامية في السودان، من خلال سرد ذاتي يجمع بين المذكرات الشخصية والتحليل السياسي والتأريخ لمرحلة مفصلية من تاريخ السودان الحديث. يغطي الكتاب فترة تمتد من ستينيات القرن العشرين حتى أوائل التسعينيات، مسلطاً الضوء على التحولات الفكرية والتنظيمية التي مرت بها الحركة الإسلامية السودانية، وعلاقاتها المعقدة مع السلطة تارة ومع المعارضة تارة أخرى.
السياق التاريخي والنشأة:
يبدأ المؤلف بتأملات في نشأته بمدينة الحصاحيصا، مصوراً البيئة الاجتماعية المتنوعة التي شكلت وعيه الأول، حيث التقى فيها التناقض الحاد بين المظاهر الاجتماعية المنحرفة من جهة، والنشاط الديني المتمثل في المسجد والمعهد العلمي من جهة أخرى. هذا التناقض أسهم في تشكيل رؤيته النقدية للمجتمع مبكراً.
️يتتبع الكتاب وعي المؤلف السياسي الذي بدأ مع أحداث أكتوبر 1964، ثم تبلور بشكل حاسم مع تعرّفه على فكر سيد قطب، خاصة من خلال كتاب “معالم في الطريق”. هذه القراءة شكلت نقطة تحول جوهرية في مسيرته الفكرية، حيث اكتشف انتماءه الفكري لمدرسة الإخوان المسلمين. ويصف المؤلف تأثره العميق بخطاب الدكتور حسن الترابي في ليلة سياسية بالحصاحيصا، والتي جمعته مع عدد من قادة الحركة الإسلامية، مما عزز التحاقه بالتنظيم.
التكوين التنظيمي والفكري في مرحلة حنتوب والجامعة:
يرصد الكتاب مرحلة التكوين التنظيمي الصارم في مدرسة حنتوب الثانوية، حيث تعلم المؤلف معنى الانضباط التنظيمي، وأصول العمل الجماعي، والطاعة للأمير، وتوزيع المهام. كانت هذه المرحلة بمثابة مدرسة عملية في البناء التنظيمي، حيث تحولت الأولويات من الاهتمامات الشخصية إلى الالتزام بجدول يومي منظم يشمل الصلوات والأذكار والاجتماعات التنظيمية.
كما يوثق الكتاب حالة التناقض النفسي التي عاشها المؤلف في تلك المرحلة، حيث جمع بين حب جمال عبد الناصر (بسبب خطابه القومي المعادي لإسرائيل والغرب) وتأثره بفكر سيد قطب الذي كان عبد الناصر خصمه اللدود. هذا التناقض يعكس حالة التعددية الفكرية التي ميزت جيله.
♟️الصراعات التنظيمية الداخلية:
يكشف الكتاب عن جانب مهم من تاريخ الحركة الإسلامية، وهو الصراع التنظيمي الذي ظهر في معسكر “التي” عام 1969، حيث دارت همسات وصراعات بين دعاة مدرسة التربية ورواد مدرسة العمل السياسي. ويحلل المؤلف هذا الصراع باعتباره لم يكن صراعاً حول مفاهيم وأفكار فقط، بل كان في النهاية صراعاً حول السلطة داخل التنظيم. هذه الفترة شهدت انتقال الحركة من جماعة خيرية إلى كيان سياسي يتصدى لقضايا الدولة والمجتمع.
♻️الحركة الإسلامية وانقلاب مايو 1969م
يوثق الكتاب موقف الحركة الإسلامية من انقلاب نميري في مايو 1969، حيث فوجئ الإخوان بأنفسهم بين مطارد ومعتقل ومرفوض. هذا المشهد كشف عن هشاشة الوضع التنظيمي أمام الانقلابات العسكرية، وأظهر محدودية قدرة الحركة على قراءة المشهد السياسي بدقة. كانت هذه التجربة قاسية، لكنها قدمت دروساً مهمة في ضرورة تطوير أدوات التحليل السياسي.
أحداث الجزيرة أبا واعتقال القيادات:
يقدم الكتاب سرداً مؤثراً لأحداث الجزيرة أبا (1970) والمواجهة بين نميري وأنصار الإمام الهادي، ويصف حالة الترقب والخوف التي عاشها، وكيف أن باطن الأرض (الاختباء) كان خيراً من ظاهرها. في هذه الأثناء، كانت قيادات الحركة الإسلامية معتقلة، مما زاد من حالة الإحباط والضياع. وفاة والده في هذه الفترة شكلت منعطفاً آخر في حياته، حيث انتقلت مسؤولية الأسرة إليه.
️التجربة الجامعية والنشاط السياسي:
يعد الجزء المخصص للتجربة في جامعة الخرطوم من أغنى أجزاء الكتاب، حيث يصور المؤلف تفاصيل الصراع السياسي داخل الجامعة بين التيار الإسلامي والقوى اليسارية. كان التيار الإسلامي يعمل تحت مسمى “الاتجاه الإسلامي”، بينما كانت القوى اليسارية ممثلة في الجبهات التقدمية.
يصف المؤلف كيف تحول مسجد داخلية القاش (الذي كان قاعة مهملة) إلى مركز للتنظيم والتربية، حيث تعلموا القرآن والتهجد والتجويد وكتب السلف، وأبجديات التنظيم والحركة. هذه القاعة أنتجت كوادر الحركة الإسلامية التي قادت العمل الطلابي ثم السياسي لاحقاً. يقدم المؤلف رؤية نظرية حول أهمية المسجد بصفته “بيت الأمة”، حيث أن حال المسجد يعكس حال الأمة، ولا جدوى من تغيير أو ثورة ثقافية لا ترتكز على المسجد.
✏️أحداث يوليو 1971 والانقلاب الشيوعي
يقدم الكتاب تحليلاً دقيقاً لأحداث انقلاب يوليو 1971 الذي قاده الحزب الشيوعي، وكيف فشل رغم السيطرة على مظاهر السلطة لمدة ثلاثة أيام. يحلل المؤلف أسباب هذا الفشل، والتي شملت:
1. انعدام الثقة بين الانقلابيين أنفسهم، مما جعل الانقلاب محصوراً في فئة صغيرة
2. فشل الحزب الشيوعي في استقطاب الشارع السياسي
3. التوزيع غير الواضح للأدوار
4. التدخل الخارجي الذي ساهم في إفشال الانقلاب.
يشير المؤلف إلى أن التفاعل الهائل بين الشعب والجيش كشف عن ضعف شعبية الحزب الشيوعي، فالسودانيون قد يقبلون بالشيوعيين كأداة للتصدي لسلبيات السلطة، ولكن ليس كقوة تستأثر بكل السلطة السياسية.
️انتفاضة شعبان ومحاولة قلب النظام:
يخصص المؤلف مساحة مهمة لانتفاضة شعبان التي بدأت من مدرسة أم درمان الأهلية، والتي كانت مقدمة لتحرك أوسع ضد نظام نميري. كانت الانتفاضة مرتبطة بمجاعة دارفور التي دفعت الطلاب للتحرك. شكلت هذه المرحلة مقدمة لتطور وعي الحركة بأهمية ربط القضايا الوطنية بالعمل السياسي.
️علاقة الحركة الإسلامية بتحالف الجبهة الوطنية:
يكشف الكتاب عن تعقيدات علاقة الإخوان بتحالف الجبهة الوطنية الذي كان حزب الأمة قوامه الأساسي. كانت تجربة التعاون مع الأحزاب التقليدية (خاصة حزب الأمة) تجربة مريرة، حيث اتهم المؤلف قيادة حزب الأمة بالتشكيك في دور الإخوان وعدم الرغبة في إعطائهم أي دور حقيقي، مما أدى إلى عزلهم عن الأجهزة الحيوية كالإذاعة والتلفزيون.
كما ينتقد المؤلف بشدة ما وصفه بـ”لغز العميد معاش”، الذي لم يكن ليمد رأسه ليقطع من أجل تمكين معارضة متضاربة ومتنافرة من كرسي الحكم. فشل حركة يوليو 1976 (محاولة الانقلاب على نميري) كان درساً قاسياً، لكنه دفع الحركة لمراجعة عميقة واستخلاص العبر.
♻️تجربة السجن: هم البداية
يمثل السجن في سرد المؤلف مرحلة تأمل ومراجعة ذاتية عميقة. يصف مشاعره لحظة اعتقاله بعد انقلاب حسن حسني الفاشل ، وكيف تحول من طالب على وشك التخرج إلى سجين سياسي. لكنه يؤكد أن المعاملة التي تلقاها في الزنازين كانت إنسانية، خلافاً للصورة النمطية التي كانوا يروجونها عن رجال الأمن.
يكشف عن تفاصيل الحياة في سجن كوبر ودبك، حيث كان السجناء الإسلاميون يعيشون حالة تنظيمية متطورة، مع وجود هيكل قيادي ومكتب للطلاب ومكتب للثانويات ومكتب للدعوة. كانت أيام السجن فرصة للدراسة المكثفة والتعليم الذاتي، حيث قرأوا تفسير ابن كثير والظلال، وكتب سيد قطب، وأبو زهرة، وابن تيمية، وابن القيم. كما درسوا التاريخ الإسلامي وتاريخ السودان.
يصف المؤلف حالة الصعود والهبوط النفسي في السجن، من لحظات اليأس إلى لحظات الأمل التي تجلت في المصالحة الوطنية وإطلاق سراح المعتقلين عام 1977. كان عدد الحافظين لكتاب الله بينهم قد بلغ أربعة وثلاثين. خروجهم من السجن كان لحظة فارقة، حيث استقلوا شاحنة متجهين إلى الحرية وهم يهتفون “الله أكبر”.
المصالحة الوطنية وتحولات الخطاب
يقدم المؤلف تحليلاً دقيقاً للمصالحة الوطنية (1977) التي تمت برعاية سعودية، حيث وافق الترابي على مشروع المصالحة بشروط: إطلاق سراح المعتقلين، والعفو العام، والحرية للحركة الإسلامية. يبدو أن منطق المصالحة كان داخلياً أولاً ثم تأتي الاعتبارات الأخرى.
هذه المرحلة شهدت تحولاً في استراتيجية الحركة من المواجهة إلى المشاركة، مما أثار جدلاً داخلياً حول جدوى هذا التحول. كانت ورقة الترابي “نحو حركة إسلامية جامعة” محاولة لتوسيع قاعدة الحركة واستيعاب القوى الإسلامية المختلفة، لكنها أدت أيضاً إلى اعتقالات جديدة عندما وصلت للأجهزة الأمنية.
تطبيق الشريعة والتحول التشريعي 1983م.
يخصص المؤلف فصلاً مهماً لقرار نميري تطبيق الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983، وهو القرار الذي وصفه بالانقلاب التشريعي. يقر المؤلف بأن كثيرين (بمن فيهم هو) أصابتهم نشوة هذا القرار، لكنه مع ذلك لم يصل به الحد إلى مبايعة نميري كما فعل بعض الإخوان.
يرى المؤلف أن تبني نميري للشريعة كان محاولة لسحب برنامج الجبهة الوطنية وتجريدها من مشروعها. وفي هذا السياق، كتب مقاله الشهير “تحالف الجامعة والكلية” الذي دعا فيه إلى تحالف بين الجامعيين (أهل القلم) والعسكريين (أهل السيف) على أساس المشروع الإسلامي.
لكن العلاقة سرعان ما توترت بعد المسيرة المليونية التي نظمت للاحتفال بمرور عام على تطبيق الشريعة، حيث شعر المؤلف أن نميري بدأ ينظر للحركة الإسلامية كقوة منافسة قد تلتهمه، وهو ما تأكد عندما خرج بتصريح يهاجم فيه “إخوان الشياطين”.
◼️إعدام محمود محمد طه وانهيار النظام
يقدم المؤلف تحليلاً نقدياً لإعدام المفكر محمود محمد طه (1985) بتهمة الردة، معتبراً أن هذا القرار كان بداية انهيار نظام نميري. فقد أدى الإعدام إلى شطب كل العلمانيين الذين كانوا يشكلون طابور احتياط ضد الإسلاميين. كما خاب ظن الإسلاميين أنفسهم الذين توقعوا أن يصدر نميري عفواً في اللحظة الأخيرة.
هذه الفترة كشفت عن توتر عميق داخل الحركة الإسلامية حول كيفية التعامل مع السلطة، خاصة في ظل الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنميري في أبريل 1985.
⏺️الانتفاضة ومرحلة ما بعد نميري
مع سقوط نميري، وجدت الحركة الإسلامية نفسها في وضع جديد تماماً. كانت أولوياتها واضحة: التحول إلى حركة شعبية جماهيرية تستوعب الشعب السوداني، وإعادة صياغة خطابها السياسي، والاستعداد للانتخابات. لكن هذه المرحلة شهدت أيضاً صراعات داخلية، منها ما حدث في مجلس الشورى بعد الأزمة، والذي انتهى بإعفاء نائب الأمين العام وإجراء تعديلات في هيكل القيادة.
♟️رؤية تحليلية للحركة الإسلامية
يقدم المؤلف في خاتمة كتابه رؤية تحليلية نقدية للحركة الإسلامية، مستفيداً من تجربته الطويلة. يرى أن من أبرز إخفاقات الحركة أنها:
1. فشلت في استيعاب تناقضات المجتمع السوداني
2. أخفقت في بناء علاقة متوازنة مع القوى السياسية الأخرى
3. وقعت في فخ الاستعلاء الفكري والتنظيمي
4. بالغت في الثقة بقدرتها على تغيير العالم، متجاهلة قوة الأجهزة الأمنية والتوازنات الدولية.
كما يتناول بالتحليل تعقيدات العلاقة مع الأنظمة العربية، خاصة موقفه من حرب الخليج (1990-1991) الذي وضعته في موقف صعب مع أصدقائه الكويتيين والخليجيين. يوضح كيف أن قبول “الروشتة الخليجية” كان يعني تقديم استقالته من إسلامه ووراثات قلبه وضميره.
◾️الخلاصة: دلالات التجربة
يمثل كتاب “قصتي مع الحركة الإسلامية” وثيقة تاريخية مهمة لفهم تطور الإسلام السياسي في السودان. يمكن استخلاص الدروس التالية من التجربة:
✏️أولاً: تكشف المذكرات عن التوتر البنيوي بين البعد التربوي (البناء الداخلي للفرد) والبعد السياسي (الصراع على السلطة)، وهو توتر لازم الحركة طوال تاريخها.
✏️ثانياً: تظهر العلاقة المعقدة بين الحركة الإسلامية والدولة، حيث تتراوح بين المواجهة والاندماج، وبين القبول والرفض، مما يعكس إشكالية أوسع في علاقة الإسلاميين بالسلطة.
✏️ثالثاً: تكشف التجربة عن محدودية المشاريع السياسية التي لا تراعي التنوع الاجتماعي والثقافي في السودان، خاصة قضية الجنوب التي كانت حاضرة بقوة في نقاشات الحركة.
✏️رابعاً: تقدم المذكرات شهادة عن دور الطلاب والجامعات في تشكيل الوعي السياسي، وكيف أن الجامعة كانت مسرحاً رئيسياً للصراع الأيديولوجي.
✏️خامساً: تعكس التجربة معاناة جيل كامل من الإسلاميين بين الحلم بالتغيير وصدمات الواقع، وبين المثالية الفكرية وبراغماتية السياسة.
يبقى هذا الكتاب شهادة شخصية مهمة، لكنها تتجاوز الفردية إلى رصد تاريخي لحركة سياسية وفكرية كان لها تأثير عميق في مسار السودان الحديث. إنه محاولة للإجابة عن سؤال مركزي: كيف ينتقل الفرد من الهامش إلى مركز الفعل السياسي، وكيف تتحول الأفكار إلى تنظيم، وكيف يواجه هذا التنظيم تحديات السلطة والسجن والمجتمع؟ الإجابة ليست سهلة، وهي ما يقدمه المؤلف باقتضاب وعمق في آن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى