قصيدة للعياشي تابث بعنوان :”أمي التي”

قصيدة: أُمّي الَّتي
قَدْ يُغْرَفُ الدَّمْعُ مِنْ أَجْفانِ مُنْتَحِبِ
فَالدَّمْعُ في غُرْبَتي أُمّـــــــاهُ لَمْ يَغِبِ
اَلْبُعْدُ قاسٍ عَلى الْمَنْشودِ عَوْدَتُــهُ
ما بالُ ناءٍ عَلى الْإِطْلاقِ لَنْ يَــؤُبِ
أُمّي الَّتي حينَ عانَقْتُ السَّنا وَجِلاً
عَرَّتْ عَلى سِنِّ شَمْسٍ في شِفاهِ أَبي
أُمّي الَّتي حينَ بادَلْتُ الْغَفا أَرَقــــاً
لَمْ تَلْعَنِ السُّهْدَ في قربي فَكَمْ عَجَبي
أُمّي الَّتي ما رَمَتْ بِالسُّوءِ سُوءَهُمُ
بَلْ أَخْمَدَتْ نارَهُمْ إِذْ أَوْقَدوا غَضَبي
تِلْكَ الَّتي عاوَدَتْ بِالْقَوْلِ تَنْصَحُني
لا تَفْقِــدَنْ قَطُّ قيــراطاً مِنَ الْأَدَب
تِلْكَ الَّتي كانَتِ الْجاراتُ تَقْصِدُها
تَسْخو بِمِلْحٍ وَبِالْأَرْطالِ وَالْحَطَبِ
أُمّي الَّتي داوَتِ الْمَرْضى بِقَرْيَتِنـــــا
تَخْتارُ لِلنُّصْحِ ما يَعْلو عَلى الْخُطَـــبِ
أُمّي الَّتي إِنْ خَبا فانوسُ خَيْمَتِنا
لاحَتْ بِوَجْـــهٍ كَنورِ الْبَدْرِ مُنْسَكِبِ
أُمّي الَّتي لَمْ أُصاحِبْ مِثْلَها أَبَـداً
تَهْمي عَلَيْنا كَما غَيْثٍ مِنَ الْحَدَبِ
تِلْكَ الَّتي لَمْ تَلِجْ قَطْعاً مَدارِسَــــنا
لَكِنْ تَنامَتْ عَلى أَفْكـــارِهــــا رُتَبي
أُمّي أَيا مَوْطِنَ الْأَبْرارِ أَسْكُنُـــــــهُ
يا بِنْتَ غالٍ “عَلِيِّ” الْأَصْلِ وَالنَّسَبِ
أُمّي الَّتي أَذَّنَتْ بِالْجَهْرِ تُخْبِرُنـــــــــا
أَنْتُمْ رَواءُ الْفَقيــهِ النّاصِـحِ الْأَرِبِ
ذاكَ الَّذي أَسْمَعَ الْآياتِ يَحْفَظُـــــها
سَمْحاً نَصوحاً وَكَالدّاعيــنَ مِثْــــلَ نَبي
أَنْتِ الَّتي ما نَسيتُ الْبَتَّ غَيْبَتَــها
وَالدَّمْعُ ما جَفَّ في ذِكْراكِ مِنْ عُلَبي
أَنْتِ الَّتي إِنْ شَكا الْعادونَ بَلْدَتَنــا
رَدَّتْ بِوَجْــهٍ بَشــــوشٍ غَيْرِ مُكْتَئِـبِ
أُمّي الَّتي قاوَمَتْ جَذْبـــاً بِلا ضَجَــرٍ
صَبْراً تُغَـذّي قُلوبـــاً هالَـــها سَغَـــــبي
أُمّي الَّتي ما نَسيتُ الْبَتَّ ضِحْكَتَـها
إِشْهارَ فَــرْحٍ عَلى نابَـيْــنِ مِنْ ذَهَـبِ
رَغْماً عَلى جَهْلِــها دَرْويشَ في زَمَــنٍ
قالَتْ عَلى الْأَرْضِ مايُغْري حَياةَ صَبي
رَغْماً عَلى جَهْلِــها الشّابّي وَقَوْلَتَـــــهُ
قالَتْ إِذا الشَّعْبُ لَمْ يُرِدِ الْحَياةَ غَــبي
عَطْفاً عَلى جَهْلِــها شَوْقي وَبائِيَـــــةٍ
قالَتْ إِذا غابَتِ الْأَخْلاقُ فَانْسَحِـــــب
أُمّي وَإِنْ َلمْ تَزُرْ أَيّوبَ في عُسْرَتِهِ
قالَتْ عَنِ الصَّبْرِ ما أَوْصَتْ بِهِ كُتُبي
أُّمّي وَإِنْ لَمْ تُجِدْ إِعْرابَ جُمْلَتِنــــــا
قَدْ أَعْرَبَتْ عَنْ هَوى نَفْسي وَعَنْ عَطَبي
أَهْفو إِلَيْها كَشَوْقِ الْباسِقاتِ لِمــــــا
ءِ النَّهْرِ آنَ الْجَفافِ الصَّعْبِ إِذْ يَثِــبِ
وَاللهِ ما سالَ غَيْثٌ كَالَّتي هَتَنَـتْ
صَفْحــاً وَلا هَيَّجَـــتْ أَرْيــــــاحُــهُ سُحُبي
وَاللهِ ما جادَ عَصْرٌ بِمِثْلِ والِدَتـــــي
أَوْ جادَ عَصْرٌ ِبَمَنْ أَوْصــــافُـــــهُ كَأَبي
قالَتْ لَدى مَوْتِها اشْتَقْنا إِلى سَلَفٍ
ماتوا زَمانــــــاً وَهَذا الشَّوْقُ لَمْ يَخِـبِ
خافَتْ عَلَيْنا بُعَيْدَ الْمَوْتِ مِنْ فَــزَعٍ
رامَتْ بِـذا أَنْ تُعِدَّ النَّفْــسَ لِلْكُرَبِ
وارى تـُـرابٌ حَنانَ الْأُمِّ في كَمَـــــدٍ
وَالنّاسُ يَبْكونَ مَنْ كانَتْ بِلا نُــدُبِ
اللّـــــهَ اللّـــــهَ فَلْتَجْعَــــلْ لِوالِدَتي
قَصْراً بِفِــــرْدَوْسِ أَخْيـــــارٍ كَما لِأَبـي
العياشي ثابت





