قضية اختلاس وتبديد المال العام والتزوير امتحان حقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة

تشكل المتابعة القضائية التي باشرتها النيابة العامة المختصة لدى محكمة جرائم الأموال باستئنافية الدار البيضاء في حق برلماني يشغل في الآن ذاته منصب رئيس جماعة مولاي عبد الله، إلى جانب ثلاثة رؤساء جمعيات وثلاثة أمناء لها، ومقاولين، ورئيس فدرالية النقل المدرسي، تطورًا خطيرًا يعكس حجم الاختلالات التي باتت تطبع تدبير النقل المدرسي جمعيات ثقافية ودار الطالبة، ويؤكد أن زمن الإفلات من العقاب لم يعد مقبولًا في دولة الحق والقانون.
وقد جاءت هذه المتابعات، حسب المعطيات المتداولة، على خلفية شبهات تبديد واختلاس أموال عمومية، والتزوير في محررات ومحاضر رسمية، وهي أفعال يجرمها القانون الجنائي المغربي بوضوح، ويعتبرها من الجرائم الخطيرة الماسة بالثقة العامة وبنزاهة التدبير العمومي.
الإطار القانوني : جرائم موصوفة وعقوبات مشددة
إن الأفعال موضوع المتابعة تندرج ضمن مقتضيات:
• الفصول 241 إلى 256 من القانون الجنائي، المتعلقة بتبديد واختلاس الأموال العمومية واستغلال النفوذ.
• الفصول 351 وما يليها، المتعلقة بالتزوير في المحررات الرسمية واستعمالها.
• إضافة إلى القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية، الذي يحمّل رئيس الجماعة وأعضاءها مسؤولية حماية المال العام وحسن تدبيره وفق مبادئ الحكامة والشفافية
وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يخفى أن استعمال الجمعيات كواجهة لتدبير المال العمومي خارج الضوابط القانونية، أو التلاعب بمحاضر رسمية لتبرير صرف نفقات غير مستحقة، يعد خرقًا جسيمًا للقانون ويستوجب المساءلة الجنائية والإدارية دون تميي
سوء التسيير بجماعة مولاي عبد الله: اختلالات متراكمة
تعرف جماعة مولاي عبد الله، حسب تقارير وملاحظات متداولة، سوء تسيير مزمنًا واختلالات مالية وإدارية، تتجلى في :
• غياب الشفافية في تدبير بعض القطاعات المدعمة.
• تضارب المصالح بين المنتخبين والجمعيات المستفيدة.
• ضعف آليات المراقبة الداخلية.
• استغلال النفوذ الانتخابي في توجيه المال العام.
وهو ما جعل هذه الجماعة نموذجًا سلبيًا لتغول الريع الجمعوي والزبونية السياسية، في تعارض صارخ مع مقتضيات الحكامة الجيدة.
التوجيهات الملكية: لا أحد فوق القانون
تنسجم هذه المتابعات مع التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئ جلالة الملك محمد السادس نصره الله يؤكد فيها أن : «ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ دستوري لا يقبل الانتقائية ولا التساهل» … كما شدد جلالته في أكثر من خطاب على :
• التصدي الصارم لكل مظاهر الفساد ونهب المال العام.
• ضرورة تخليق الحياة العامة.
• جعل القضاء رافعة لحماية المال العام وصون كرامة المواطنين.
وتكريسًا لهذه التوجيهات، فإن إحالة هذا الملف على قاضي التحقيق بمحكمة جرائم الأموال يشكل رسالة واضحة مفادها أن المناصب الانتخابية والتمثيلية لا تشكل حصانة ضد المتابعة القضائية.
القضاء كضامن للعدالة وحماية المال العام
إن الرأي العام المحلي والوطني يراهن اليوم على :
• تحقيق قضائي معمق وشامل.
• ترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من ثبت تورطه، أيا كانت صفته.
• ربط المتابعة الجنائية بالمسؤولية السياسية، بما في ذلك تفعيل مساطر العزل عند الاقتضاء.
مع التأكيد، في الآن ذاته، على احترام قرينة البراءة إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية.
إن قضية جماعة مولاي عبد الله ليست ملفًا معزولًا، بل امتحان حقيقي لجدية الدولة في محاربة الفساد وحماية المال العام. فإما أن ينتصر القانون وتُستعاد الثقة في المؤسسات، أو يستمر نزيف الموارد العمومية على حساب التنمية وكرامة المواطنين.
والرهان اليوم واضح:
لا تنمية بدون محاسبة، ولا مسؤولية بدون جزاء، ولا مكان للفساد في مغرب دولة المؤسسات





