قضية الصحراء المغربية وماذا بعد الإقصاء

بقلم أبو أيوب

    في تقريره الأخير المرفوع لمجلس الأمن الدولي بداية الشهر الحالي، لم يشر الأمين العام للمنتظم الدولي السيد أنطونيو غوتيريش ولو بكلمة واحدة إلى الدور الذي أنيط بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان كما جرت به العادة، كآلية معترف بها أمميا في تتبع ومراقبة حقوق الإنسان بالصحراء من خلال لجنتيها الجهويتين في الداخلة والعيون .

    فعوض أن يتمكن المغرب من استغلال الفرصة الذهبية الممنوحة أمميا لهيئة وطنية تعنى بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء بدل توسيع صلاحيات المينورسو لهذا الغرض، قررت العاصمة الرباط تحجيم دور المجلس الوطني وإبقاء هياكله خارج الآجال إلا في الفترة الأخيرة، ليلتفت إلى مسالة التعويض وجبر الضرر عن انتهاكات تعود لفترة العاهل الراحل الحسن الثاني، ولم يستطع المغرب الرسمي بعد عشرين سنة خلت طي هذه الصفحة فأصيبت أعمال المجلس الوطني في مقتل بعد هذه المناورة .

    اليوم توافق الدولة المغربية على رصد ومراقبة حقوق الإنسان في الصحراء من طرف مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عوض المجلس الوطني، لتنتهي مهمته إلى الفشل الكبير بإبعاده نهائيا من طرف الأمم المتحدة لعدم تقديمه لتقرير واحد أو عمل منفرد حول مهمته الموكولة له دوليا .

    ويظهر أن قرار المملكة عبر اجتهاد قضائي منغلق يفيد الوصول إلى ما يراه في نازلة حراك الريف، قد انعكس سلبا على المصالح المغربية في الصحراء وهذا ما كرس مطلب الآلية المستقلة لمراقبة حقوق الإنسان بالإقليم أو وضع الأخير تحت رقابة جهات الإختصاص، يتقدمها المجلس الأممي لحقوق الإنسان لانعدام وجود آلية معتمدة لدى القضاء المحلي والدولي مستقلة عن الضابطة القضائية وباقي أجهزة النيابة العامة المغربية، إذ قصرت وحصرت هذه الأخيرة جهاز الدولة على محاضرها ومنعت اعتماد محاضر مؤسسات أخرى لها الإختصاص الدستوري في المراقبة “تقرير المجلس الوطني فيما تعلق بحراك الريف والأحكام الصادرة في حق النشطاء” .

    يقول فقيه القانون الدولي السيد مارتن بودو أن عدم قدرة الدولة المغربية على احتواء تنفيذ الآلية الأممية عبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الصحراء، يؤكد أن هامش القدرة القانونية للدولة ضعيف مما أفقد المغرب الرهان، لأنه أظهر خوفا شديدا من المقاربة القانونية التي يمكن إدارة حركتها بذكاء سيادي بارع بتعبير الخبير … ولم يدافع الفرنسيون في الجلسات الأخيرة لمجلس الأمن الدولي عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، لأنه غير معتمد من الجهات القضائية والتنفيذية ومصداقيته الحقوقية لم تمكنه من المشاركة في بناء حكم قضائي .

    إن اعتماد آلية دولية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء متمثلة في المجلس الأممي سيذهب أبعد في تعريض المغرب إلى وجه من وجوه إدارة العدالة الدولية، وهذا في حد ذاته يعتبر انتقاصا من السيادة المغربية على الإقليم المتنازع عليه وتقوية ودعما للطرح المعاكس، ولا يمكن بأي حال الرفض أو تعديل المهمة الأممية لعدم وجود آلية محلية يثق فيها القضاء المغربي فكيف بالعدالة الدولية أن تتبناها أو تفوضها !… وأن ما حدث، يشكل انحرافا يمكن أن يتطور إلى الأسوأ من واقع الدور الشبه قضائي الذي رفضه القضاء المغربي بالنسبة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان “إشارة إلى تقريره بشأن حراك الريف”، لذلك فالقاعدة التي يعمل عليها القانون الدولي ترتكز بالأساس على الفعالية والمصداقية قبل أي شيء .

    فشل الديبلوماسية الهجومية التي اعتمدها المغرب في السنوات الأخيرة ومن خلالها تكبد البلد خسائر كبيرة، لأنه لم يعرف كيف يستثمر المناورة التي سمح بها إقرار مجلس الأمن الدولي بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء لصالح هيئة وطنية تابعة للمملكة، هذا ما أكده المستشار المستقيل من مجلس الأمن القومي الأمريكي جون بولتون في تصريح له “فرصة ذهبية توفرت للمغرب ولم يغتنمها أو يجسدها في تطوير عمل الآليات المستقلة في الصحراء” . حرب الخارجية المغربية في توحيد المحاور مع الأمم المتحدة يعتبر خطأ سياسيا وقانونيا، لعدم سماح الرباط بإنشاء آلية داخلية لمخاطبة الأمم المتحدة في موضوع مراقبة حقوق الإنسان عبر اللجنتين الجهويتين بالعيون والداخلة المقررتين بتفويض مجلس الأمن، من نتائج عدم السماح بإقصاء مجلس الأمن الدولي للتفويض الذي كان ممنوحا وساريا على المجلس الوطني لحقوق الإنسان .

    في هذا الظرف العسير الذي تمر منه المملكة سواء من خلال تناول ملف الصحراء طيلة شهر أكتوبر الحالي، أو من خلال برودة العلاقات الثنائية المغربية الفرنسية والمغربية الهولندية على خلفية حراك الريف، تظهر في الأفق بداية حرب قانونية تجارية اقتصادية يشنها الخصوم على صعيد المحكمة الأوروبية فيما يتعلق بالإتفاقية الزراعية/ الصيد البحري، وأخرى بشأن نيوزيلاندا ووارداتها الفوسفاطية الآتية من الصحراء حيث الأخبار تشير إلى تسريع وثيرة الإستيراد “أربع شحنات سنويا لكل شركة من الشركتين النيوزيلانديتين بمقدار أكثر من 60 ألف طن في الشحنة الواحدة، وكأني بها تسابق الزمن من أجل تأمين احتياطي ترقبا لما ستؤول إليه المتابعة القضائية”، فضلا عن الحصار المضروب على معبر الكركرات وما تتكبده التجارة الخارجية للمملكة من خسائر معتبرة في صادراتها نحو العمق الإفريقي “المعبر البري الوحيد في اتجاه موريتانيا والسينغال وساحل العاج ….” .

    كان هذا مقتطف مما يتعرض له المغرب حاليا لكن الأهم، ما ستؤول إليه الأمور نهاية الشهر الحالي على إثر القرار الأممي المزمع صدوره وفترة انتداب بعثة المينورسو والخليفة المحتمل للمستقيل كوهلر وآفاق التسوية السياسية لملف عمر طويلا وأرهق كثيرا .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإسلام والتشريع .. لماذا تُعطّل المرجعية الإسلامية في وضع التشريعات في المغرب؟

لإبراهيم الطالب عن موقع : مركز يقين     نعيش في المغرب حِراكات كثيرة، ولعل ...