
مسرور المراكشي :
_ كلمة ” التسديد ” و أخواتها :
الحديث في هذا المقال عن خطة “تسديد التبليغ “، لكن هذه المرة من زاوية أخرى بعيدة عن التحليل الديني، قريبة من التحليل الرياضي و مصطلحاته، في كثير من الأحيان لا يمكن فهم المصطلح و حقيقة ما يعنيه، دون تأمل عميق و غوص في دلالاته لكشف حقيقته، في البداية يتسرب إلى ذهن الناس و فهمهم، أن المقصود من كلمة “تسديد” التبليغ هو ظاهر ما ترمز إليه، أي تقويم وتعديل سلوك الأفراد و الجماعات، حسب السنة النبوية والقرآن و كذا توجيه “التبليغ” الوجهة الصحيحة، كل هذا جيد و ممتاز وهو ما كنت أعتقد عند انطلاق الخطة، لكن “ابالمعطي” جزاه الله خيرا قال لي شيء مهم، حيث قال : (يا المراكشي لا تتسرع في إصدار الحكم، انظر أولا إلى أفعال وزارة الأوقاف، وكيف تعامل الخطباء و الأئمة في ظل هذه ” الخطة ” المباركة، فقد تجد الأقوال شيئا وربما تكون الأفعال شيئا آخر تماما..)، فعلا أخذت توجيه”ابالمعطي” بعين الاعتبار لأنه صاحب تجربة، وقمت بإعادة النظر من جديد في كلمة “التسديد”، قلت مع نفسي لماذا لا أبحث في عالم السياسة، ومن يدري فقد أجد إجابة تفيد في تفسير معنى كلمة “التسديد”….
_ يا علماء ساسة يسوسو أفيدوني يرحمكم الله :
هنا كان جواب أهل السياسة باختصار شديد، حيث قالوا : ( إن كلمة “تسديد” في السياسة هي تصحيح المسار، فعندما تنحرف قيادة منظمة أو حزب عن خط المبادئ والقيم، والذي سطره المناضلون في الميثاق الجماعي، يكون هناك مجموعة من النشطاء داخل الحزب أو المنظمة، تحتج و يقومون بتنبيه القيادة لهذا الانحراف، وذلك بطرح ورقة في مؤتمر عادي أو استثنائي لتصحيح المسار…)، لكن المشكل هي أن الأوقاف ليست حزبا أو منظمة، فهي وزارة وليس عندها مؤتمر لا استثنائي ولا عادي، إذن التفسير السياسي لكلمة “تسديد” لا يسعفني في شيء…ربما أجد الجواب في مكان ٱخر…
_ ” التسديد ” ومطرقة عمي الحداد :
الآن نترك تفسير وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية جانبا، وذلك في ما يخص تفسيرها لكلمة” التسديد ” وما تعنيه من الوجهة الدينية، و نتوجه صوب ورشة الحدادة لفهم المصطلح، حيث سألنا السيد الحداد عن ماذا يعني مصطلح التسديد في حرفة الحدادة..؟ وهذا طبعا من باب ( … ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ..)، والسيد الحداد هو بمثابة فقيه و عالم بفنون هذه الحرفة، وكان جوابه كالتالي : قال ( يمكن تسديد قطعة حديد معوجة أو ملتوية، طبعا بعد إحمائها جيدا كما يقال : ” اضرب الحديد ما حدو اسخون “، ثم أقوم بطرق أماكن الاعوجاج فيها وإعادة تقويم ذلك الانحراف، لتصبح مستقيمة لا اعوجاج فيها بعد الطرق الشديد و المتواصل ..) انتهى كلام الفقيه الحداد، هنا فهمت معنى”التسديد” لكن بشكل ميكانيكي و لم أصل بعد إلى معنى للكلمة يشفي الغليل، عندها قمت بطرق باب الرياضة فلربما وجد عندها جوابا شافيا كافيا…
_ ” التسديد ” بمفهومه الرياضي :
هنا وجدت ضالتي حيث اتضح لي معنى” التسديد ” الذي أبحث عنه، لقد كان تصرف وزارة الأوقاف مع خطباء الجمعة، فيه غلظة و جفاء شديد مع الخشونة و التعنيف، مما جعلني أعتبر أن كلمة”تسديد” قد لا تنتمي إلى دين الرحمة والتسامح الإسلام الحنيف، بل هي أقرب إلى عالم الرياضة، وبالضبط إلى فنون الحرب والدفاع عن النفس ( les ares martiaux )، أمثلة : الملاكمة و( الكراطي) ( الفول كنطاك )و ( التيكواندو )، لأنني بصراحة تخيلت وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، مرتديا قفاز الملاكمة و يقوم بـ” تسديد” الضربات إلى خطباء الجمعة، حيث سقط أغلب الخطباء بالضربة القاضية الواحد تلو الآخر، ومن الجولة الأولى وقليل منهم من يكمل المقابلة، الجولة تعني خطبة الجمعة الواحدة، وهناك من الخطباء من يصمد لعدة جمعات أو جولات، هذا يعني أنه يراوغ لتفادي الضربات ليستمر خطيبا على المنبر، فهناك من تجاوز 12 جولة أو “جمعة ” وهناك من بقي لجمعة أو ثلاث لكنه في النهاية سقط، كل هذا يحدث وسط تصفيق حار وتشجيع، من رؤساء المجالس العلمية و نظار الأوقاف و المرشدين و المندوبين وكل من له علاقة بخطة “التسديد” المعلومة…
_ الله على راحة الله..!! :
هذا على رأي المرحوم الفنان لمغاري، فبعد جهد جهيد و بحث توصلنا أخيرا إلى معنى كلمة “تسديد”، لقد اتبعت في البحث عن معنى هذه الكلمة، خطوات الأغنية الرائعة التي غناها الفنان المرحوم اسماعيل أحمد، وكاتب الكلمات هو الشاعر المغربي عبد السلام العمراني، ( ..سولت عليك العود والناي و انغامو…سولت لعيون الساهرين…. )، المهم حتى أنا سولت أهل الدين والسياسة و الحدادة والرياضة، إلى أن اكتشفت المعنى الحقيقي لهذه الكلمة الملغومة…
_ معلومات مفيدة عن أنواع”التسديد” في فن الملاكمة :
هناك ضربة مستقيمة سواء باليمنى أو اليسرى، و هي عندما يسدد الملاكم ضربة مباشرة لأنف أو فم خصمه، وهي ( التقمان ) بالدارجة المغربية، و”خطافية” باليمنى أو اليسرى هي تسديدة على طرفي الوجه، بالدارجة المغربية هي ( جدارة لودن ) بالدارجة المغربية، ضربة “إقلاع” هي التي تأتي من تحت إلى فوق، و تستهدف أسفل ذقن الخصم بالدارجة”التحلقيم”، و هناك ضربات تحت الحزام وهي غير قانونية طبعا، والكثير من الخطباء عانو من مثل هذه “التسديدات”…
_ ملاحظة :
هذا هو ” التقشاب ” المراكشي والذي يستوجب من الطرف الآخر، أن يتمتع بسعة صدر و يتقبل النقد بكل روح رياضية، بالدارجة المغربية : ( خاص تكون قشابتو واسعة ..) أو الله يجيبنا في الصواب و حفظكم الله من كل الضربات…





