
بقلم: ذة. رشيدة باب الزين – صحافية وناشطة حقوقية
في قاعة هادئة تحت قبة البرلمان الفرنسي، حيث تُوزَن الكلمات بميزان الدقة، وتُقنَّن الدبلوماسية حتى في الإيماءات؛ اخترت أن أصرخ — لا بصوتي، بل بصمتي.
لم تكن صرختي صاخبة، ولا كان خطابي مُحمّلاً بالشعارات، كانت رسالتي أبلغ من أيّ خطاب، حملها قميصي، وقد كُتب عليه بوضوح لا لبس فيه:
“المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.”
خريطة المغرب كانت واضحة، كاملة، موحَّدة… كما هي في وجدان كل مغربي.
* زيارة إلى البرلمان الفرنسي: بين الكلمات الرسمية ورسائل الجسد
كنت مدعوة، بصفتي صحافية، للمشاركة في زيارة رسمية إلى البرلمان الفرنسي، ضمن وفد يضم جمعيات فرنسية مغربية، الزيارة كانت مطبوعة بالرصانة المعتادة، وباللغة الدبلوماسية التي تتفادى الخوض في ما يُسمّى بـ”الملفات الحساسة”.
لكنني كنت أعي، تمام الوعي، أن قضية الصحراء المغربية ليست مجرد ملف حساس، بل قضية وجود، وهوية، وعدالة تاريخية.
لذا، حين اخترتُ الحضور، اخترتُ أيضًا أن أحمل رسالتي بشكل مدروس، لم أحتج إلى ميكروفون، ولم أطلب الكلمة، كل ما فعلته أنني دخلت القاعة مرتدية قميصًا يحمل خريطة المغرب كاملة، مرفقة بالشعار الذي أصبح رمزًا لكل مغربي:
“المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.”
لم أتكلم، لكن قميصي تكلم باسمي، وباسم ملايين المغاربة الذين لا يزالون ينتظرون من المجتمع الدولي أن يُنصف التاريخ… والجغرافيا.
كانت لحظة رمزية بكل المقاييس، لم أحتج أن أجادل أو أبرّر، الرسالة وصلت، كما أردتُ لها أن تصل: هادئة، قوية، وغير قابلة للإنكار.
* لماذا اخترت الصمت؟
لأن الصمت، حين يكون مدروسًا، أبلغ من ألف خطاب.
اخترتُ أن أكون شاهدة، لا خطيبة، وأن أحمّل جسدي رسالة بصرية يصعب تجاهلها، في زمن أصبحت فيه الصورة أقوى من الكلمة.
أردت أن أجعل من موقفي لوحة واضحة لا تحتاج إلى ترجمة، فالكلمة تمرّ، لكن الصورة تبقى.
بوصفي ناشطة حقوقية، أؤمن بأهمية احترام القانون الدولي، ومبادئ السلم، وحقوق الإنسان؛ لكن بوصفي مغربية، لا أقبل أن تُختزل قضية الصحراء في توصيف بارد كـ”نزاع إقليمي”، فالصحراء ليست هامشًا على خريطة المغرب، بل جزءٌ أصيل من هويته، وتاريخه، ومستقبله.
* رسالة بلا صوت ولكن بصدى بعيد
تلك اللحظة، التي رفعتُ فيها خريطة بلدي كاملة داخل مؤسسة تشريعية أوروبية كبرى، كانت فعلاً نضالا هادئًا، لكنه عميق؛ ربما لم تُدوَّن في محضر الزيارة، لكنها ستظل محفورة في الذاكرة البصرية لكل من شاهدها.
ولذلك، أقولها اليوم كما قلتها حينها — لا بصوتي، بل بقناعتي الراسخة:
“المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.”





