
ويحمان يكتب:
*كلمات*
.. إلى شامة درشول
——————————
*فعلا .. فعلا .. فعلا تم الاتصال*
و
*حقيقةً .. حقيقةً .. حقيقةً .. لا خوف على ويحمانكم .. أبداً*
يأتي عمود اليوم في سياق تفاعل واسع أثاره الحوار الأخير الذي أجراه رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع مع قناة “بديل أنفو”، والذي أداره مدير القناة الصحفي حميد المهداوي، وهو الحوار الذي حصد مئات الآلاف من المشاهدات في مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وما يزال يتفاعل بقوة، خاصة على خلفية ما يتداول منذ عدة أيام حول محاولات تسلل الحركة الصهيونية لتأسيس “حائط مبكى جديد” بمدينة مراكش…
وفي خضم هذا النقاش العمومي، جاء مقال السيدة شامة درشول قبل يومين، محمّلًا بإيحاءات وتساؤلات تستدعي التوضيح والتأطير.
فعندما تختلط الرسائل بالإشارات، وتُكتب المقالات أحيانًا بمداد “إن” أكثر مما تُكتب بالحبر الصحفي، يصبح لزامًا التمييز بين النقاش الفكري المشروع، ومحاولات الإيحاء الملتبسة التي يُراد بها صناعة الشك أو زرع الالتباس في وعي الرأي العام. ومن هذا الباب يأتي هذا التوضيح، لا لشخص شامة درشول في ذاتها، وإنما لما ومن وراء خطابها من دلالات ورسائل ينبغي تفكيكها بوعي ومسؤولية.
وبلغة السيدة شامة درشول نقول :
نعم، فعلا .. فعلا .. فعلا تم اتصال الطائفة اليهودية *عبر قناة اتصال معتمدة وذات صدفية عالية* .. برئاسة المرصد المغربي لمناهضة التطبيع وصرحت بما صرحت وبما نقلناه في الحوار مع السيد مهداوي . والاتصال تم في سياقه الطبيعي، كما يقع في كل المجتمعات الحية، حيث تتعدد القنوات وتُعبّر مكونات المجتمع عن مواقفها، دون أن يعني ذلك – بأي حال – اختراقًا أو تجنيدًا أو ارتهانًا.. كما لمحت بذلك السيدة شامة درشول .
ومحاولة تصوير الأمر على هذا النحو، ليست سوى واحدة من تلك “المقالب الصغيرة” التي تعرفها أدبيات العمل الاستخباري، حيث يُراد دفع الخصم إلى أحد فخين:
إما التكذيب فيُتهم بالكذب، أو التأكيد فيُتهم بالارتهان.
وهي حيلة مكشوفة لا تنطلي إلا حيث يغيب التمييز بين التواصل والاختراق، بسذاجة حسن نية ومحدودية الفهم أو بخبث سوء النية لمن باع ضميره من جماعة كلهم إسراييليون ومن لف لفهم من “عطاشة” منابر الفتنة والتشهير النفطية الخليجية والمازوطية المعروفة .. وهي الجهات التي تدعي مرارا السيدة شامة درشول أنها تصارعهم من “موقعها” ومقاربتها للأمور سواء في العلاقة مع الكيان الصهيوني (وهي المستشارة الإعلامية رقم1 لمدير مكتب الإتصال الاسرائيلي بالرباط ديفيد غوفرين) .. أو في العلاقة الإمارات البنزايدية وحكاية الصراع مع أذنابها هنا بالمغرب .
إن قيادة المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، بحمد الله، ليست طارئة على هذا الميدان، ولا هي وليدة لحظة انفعال، بل هي حصيلة مسار طويل من التراكم النضالي والمعرفي، جعلها محصّنة – وعيًا وتجربةً – ضد كل محاولات الاستدراج، سواء جاءت في صور الإغراء أو التهديد أو حتى الاعتداء المادي أو “مجاملة ملغومة”. وقد باءت، كما يعلم القاصي والداني، كل تلك المحاولات بالفشل، لأنها تصطدم بجدار من الوضوح المبدئي الذي لا يقبل المساومة، وتتعزز – قبل ذلك وبعده – بعناية الله وحفظه وحصانته، والحمد والشكر له هو الذي بحمده تدوم النعم .
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال المعطى الأساسي المتعلق بصاحبة المقال، التي اشتغلت سابقًا مستشارة لمدير مكتب الاتصال الصهيوني بالرباط، المجرم غوفرين، ذلك المكتب الذي لم يكن مجرد “تمثيلية دبلوماسية”، بل تحوّل ماخور للبغاء والاعتداءات الجنسية على مغربيات، وكان هذا المجرم موضوع مساءلة داخل دوائر الكيان نفسه .. والتذكير بهذه الوقائع ليس من باب التجريح، بل من باب وضع الخطاب في سياقه وفهم خلفياته… خاصة وأن السيدة شامة درشول.. كانت .. كما تقول . من أهم الأطراف التي فجرت الموضوع_الفضيحة.. من خلال شهاداتها سواء المعلنة في مقالاتها.. أو السرية أمام لجنة التحقيق الاسرائيلية الرسمية التي بعثت بها وزارة خارجية الكيان الإرهابي الصهيوني.
وفي المقابل، فإن النقاش مع شامة درشول لا يمكن أن يُختزل في واقعة اتصال من عدمها، بل يتجاوزها إلى جوهر الخلاف:
نحن ندين بوضوح ماضيها في زياراتها وفي التعاون المعلن مع كيان الإجرام الصهيوني ومؤسساته (خاصة مكتب الإتصال بالرباط)، أيًّا كانت مبرراته أو تأويلاته، كما ندين – بالقدر نفسه من الوضوح – الاستمرار في دفاعها عن التطبيع مع كيان يقوم على الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ونظام الفصل العنصري.
وحتى لا يبقى الكلام في دائرة التوصيف العام، يكفي التذكير بأن آلة الحرب الصهيونية حصدت أرواح ما يزيد عن ثلاثين ألف طفل، فضلًا عن عشرات الآلاف من النساء والشيوخ والمدنيين، في واحدة من أبشع الجرائم التي يشهدها العصر الحديث. كما لا يمكن نسيان الإهانات التي صدرت عن مسؤولين صهاينة في حق المغرب والمغاربة، من قبيل وصف ضابط مكتب الاتصال المجرم كعبية للمغاربة بـ“الحيوانات”، وتصريحات أخرى مهينة في حق اليهود المغاربة أنفسهم شبهتهم بقدرة البابوان ( رئيس مكتب مجرم الحرب نتانياهو شخصيا ). وهي وقائع تكشف طبيعة هذا الكيان الذي لا يرى في الآخرين إلا أدوات أو أهدافًا.
ومع ذلك، لا يمكن إلا تسجيل – بموضوعية – ما صدر مؤخرًا عن السيدة شامة درشول من فضح لبعض ممارسات ممثلي ذلك الكيان بالمغرب، فهذا معطى ينبغي أخذه بعين الاعتبار، لأنه يؤكد – من داخل التجربة نفسها – حقيقة ما ظللنا نحذر منه لسنوات: أن هذا الكيان لا يحمل، ولا يمكن أن يحمل مشروع شراكة، بل مشروع اختراق وتوظيف وفتنة وتفجير وهيمنة، سياسيًا وأخلاقيًا.
ومن الزوايا المهمة التي وردت في مقالها – رغم اختلافنا الجوهري معها – ما يتعلق بوصفها لخريطة الطائفة اليهودية بالمغرب وما تعرفه من تشققات وصراعات داخلية. وهي ملاحظة لها وجاهتها من حيث المعطيات، لكنها تقود إلى خلاصة أعمق: أن أخطر ما يهدد هذا المكوّن الأصيل من مكونات المجتمع المغربي ليس تلك الخلافات الداخلية في حد ذاتها، بل عملية “صهينته” وربطه بمشروع استعماري عنصري. ذلك أن هذا المسار، إن استمر، لن يؤدي إلا إلى عزله عن محيطه الوطني والتاريخي، وإلى إلحاق الضرر به قبل غيره، ودفعه – لا قدر الله – نحو مصير مأساوي لا يريده له أي وطني صادق.
ومن هنا، فإن التحية واجبة، في هذا المقام، لأرواح اليهود المغاربة الوطنيين الأصلاء الذين ظلوا أوفياء لقضايا شعبهم وأمتهم، أمثال إدمون عمران المليح، وأبراهام السرفاتي، وجيرمان عياش، وأسيدون سيون، كما تُرفع التحية إلى الأحياء منهم – على قلتهم – وعلى رأسهم الصديق و رفيقنا في المرصد يعقوب كوهين، الذين يقدمون نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه الانتماء الصادق: يهودية في الهوية الثقافية للمؤمنين منهم، ومغربية في الانتماء، وإنسانية في الموقف.
غير أن الإشكال القائم، والذي لا يمكن القفز عليه، هو الاستمرار في تبرير التطبيع تحت غطاء “المصلحة الوطنية” أو “خدمة الوحدة الترابية”. وهنا يكمن جوهر الخلل؛ لأن ربط قضية عادلة كقضية الوحدة الترابية بكيان مدان عالميًا بجرائم الإبادة والفصل العنصري وجرائم ضد الإنسانية، لا يخدم هذه القضية، بل يضعفها أخلاقيًا وسياسيًا، ويفتح عليها أبواب الابتزاز التي لا تُغلق.
إن الوطن لا يُحمى بالارتهان، ولا تُصان وحدته بالاستقواء بكيان استعماري، بل تُحمى بالإجماع الشعبي الصادق، وبالانسجام مع القيم الإنسانية التي تمنح القضايا العادلة مشروعيتها وقوتها.
أما الإيحاء باستحضار نماذج من قبيل “رأفت الهجان”، فهو – في سياقه هذا – محاولة لإلباس الواقع لبوس الخيال، وإقحام العمل النضالي الواضح في سرديات رمزية توحي بما لا وجود له. والحقيقة أبسط من ذلك بكثير: نحن أمام خط واضح، لا ازدواج فيه ولا مناطق رمادية.
🔻 *آخر الكلام*
لقد اختارت السيدة شامة درشول أن تختم مقالها بما تعتقد أنه تقطار الشمع وكذا ب ” الطنز ” فكتبت تقول :
” وبناء عليه، يمكن ان نستنتج ان اويحماننا اخترقته اسراىيل تحت غطاء الطاىفة اليهودية المغربية المناهضة لباب دكالة بديلا عن باب المغاربة.
خسئتم، لن نسلمكم اويحماننا ” .
وجوابنا لشامة درشول، وكذا لكن أيتها المغربيات ولكم أيها المغاربة : لا خوف، بفضل الله، على “ويحمانكم”.. لا من اتصال، ولا من إشاعة، ولا من إيحاء ولا من تهديد ولا حتى من تصفية، إذا قدر الله الشهادة، فالمؤكد أن دماء الشهادة تذكي شعلة الإقدام والعزيمة الوطنية نحو التحرير ..لا خوف، بحول الله وقوته، من كل هذا وأحرى من كل تلك الألاعيب الصغيرة التي تُراد بها زحزحة الثوابت أو التشويش على المواقف.
وإذا كان في الكلام دعوة، فهي دعوة صريحة:
يا شامة درشول .. مكانك الطبيعي – إن صدقتِ مع نفسك ومع وطنك – هو هنا، في صف المناهضين للتطبيع، داخل المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، الذي يفتح أبوابه لكل من يختار الخروج من مربع الالتباس إلى وضوح الموقف.
أما “ويحمانكم”، فهو حيث كان دائمًا، منذ ما يقارب نصف قرن: في موقعه، لا يتزحزح قيد أنملة، رغم كل العواصف ورغم كل المحن .. رجل في أواخر عقده السابع، وهو واقعي يعرف أنه في الشوط الأخير من العمر، لا يسأل الله إلا اثنتين : *الثبات، وحسن الخاتمة.*
وآخر دعوانا أن اللهم انصر الحق واجعلنا من أهله، واخزِ اللهم الظلم والظالمين.
آمين .. والحمد لله رب العالمين.
————————–
× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع





