الواجهةمجرد رأي

*كلمات* .. في الصويرة ..*هل هي مدينة الله أم “مستوطنة موغادور” ؟ سؤال “بيت الذاكرة” ومجرمي الحرب*

أحمد ويحمان ×

أعادت الصويرة إلى الواجهة، خلال الأيام الأخيرة، نقاشًا لم يعد يقتصر على المدينة وحدها، بل بات يمس سؤال الهوية والذاكرة والوظيفة التي يراد لبعض المؤسسات أن تؤديها في المغرب.
فقد أثار الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، المناضل عزيز هناوي، إشكالية ما يعرف بـ”بيت الذاكرة”، من خلال انتقاده لاستقبال مجرمي الحرب الصهاينة داخله، وطرح تساؤلات حول مدى انسجام ذلك مع الرسالة التي أُعلِن عنها عند تأسيس هذه المؤسسة، والمتمثلة في حفظ جانب من التراث اليهودي المغربي باعتباره جزءًا من تاريخ المغرب، محدود صحيح، لكنه موجود ولا يمكن لأحد طمسه كما لا يمكن لأجندة الاختراق الصهيوني جعله محور تاريخ المغرب وحاضره ومستقبله، كما يحاول البعض، لاسيما بعد اختطاف جانب كبير من مجالات وسياسات عمومية لبعض مفاصل الدولة ومؤسساتها وإعلامها من قبل سدنة هذه الأجندة .
في الوقت نفسه، عاد إلى التداول تصريح رئيس الحكومة الأسبق السيد عبد الإله بنكيران، الذي قال من الصويرة، قبل أيام، إن “الصويرة مدينة الله .. ومدينة للمغاربة.. وليست مدينة لأحد”.. مع وقوفه على حكاية محاولات سابقة لصباغة جدرانها بالأبيض و الأزرق.. مع إيحاءات ذلك باتجاه رمزية التغلغل الصهيوني .
وهو تصريح فتح بابًا واسعًا للنقاش، لأن قطاعًا من الرأي العام أصبح يتداول منذ سنوات تعبيرات من قبيل “مستوطنة موغادور”، تعبيرًا عن شعور بأن المدينة تتعرض لتحولات تتجاوز مجرد تثمين تراثها التاريخي.
ليس الخلاف، هنا،حول الاهتمام بالموروث اليهودي المغربي. فهذا الموروث، كما قلنا، جزء من تاريخ المغرب، ولا يعترض على دراسته أو حفظه إلا من يجهل تاريخ هذا البلد، إنما السؤال الحقيقي هو : هل يظل هذا الاهتمام ثقافيًا وتاريخيًا، أم أنه يتحول إلى منصة لتطبيع سياسي ورمزي مع كيان الإجرام في تل أبيب و المدان، دوليًا، بارتكاب انتهاكات الإبادة والتطهير العرقي وجرائم ضد الإنسانية في حق الشعب الفلسطيني؟
وهل تبقى المؤسسات الثقافية فضاءات للذاكرة، أم تصبح فضاءات تحاول منح شرعية رمزية لسياسات الإجرام والأبارتهايد المعاصرة؛ سياسات هي دوما محل رفض شعبي قاطع وهي اليوم محل إدانة دولية عارمة ؟
وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا عندما يشعر الرأي العام بأن بعض من يقدمون أنفسهم باعتبارهم ممثلين للطائفة اليهودية بالمغرب، يختزلون تاريخ اليهود في موقف سياسي واحد متآمر، مع أن الواقع يفيد عكس ذلك . فقد عرف المغرب، وما يزال، شخصيات يهودية أعلنت رفضها للصهيونية و انتقدت، على الدوام ولا تزال سياسات حكومات تل أبيب الإجرامية و العنصرية في فلسطين المحتلة، وشاركت في مبادرات مناهضة للتطبيع مع كيان الاحتلال والإبادة، بما يؤكد أن اليهودية والصهيونية ليستا شيئًا واحدًا، وأن التناقض الفكري والسياسي لا يمكن أن يتحول إلى تناقض ديني أو هوياتي.
من هنا يصبح من المشروع التساؤل عن حدود الأدوار التي تضطلع بها بعض المؤسسات أو الجمعيات، وعن مدى التزامها بالرسالة التي أنشئت من أجلها، وعن الحاجة إلى الشفافية والمسؤولية كلما تعلق الأمر باستضافة “ضيوف” أو بتنظيم أنشطة تثير استياء الشعب وسخطا وطنيًا واسعًا.
في خضم هذا النقاش، تحركت الأجندة من جديد، وطبيعي جدا أن تتحرك . فظهر المحامي إياه من جديد؛ المدعو “أومرزوك” الذي وضع شكاية أخرى (جديدة) ضد المرصد المغربي لمناهضة التطبيع في شخص كاتبه العام المناضل عزيز هناوي بسيل من التهم ك”الكراهية ضد اليهود” و” التحريض” عليهم (ويعني بذلك كلمة هناوي في الوقفة الشعبية لمجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين أمام البرلمان حول خطوات المدعو جاكي كادوش في تجنيد شباب مغاربة في التطبيع والصهينة..خاصة واقعة متحف اصدقاء صهيون بالقدس) .. مع أن أحد أهم مناضلي المرصد، الصديق يعقوب كوهين يهودي وأحد أهم مؤسسيه، الذي تحل هذه الأيام الذكرى الأولى لرحيله الملغز يهودي؛ نقصد بالطبع الصديق الراحل أسيدون، الرئيس المؤسس ل bds المغرب، وأن أول الموقعين لما هو معروف ب”ميثاق الرباط” الداعي لتأسيس المرصد يهودي أشهر من نار على علم، الصديق الراحل ” إدمون عمران المالح ” !
الأجندة لم تتوقف عند ” المحامي”، الذي يتابعه زملاؤه المحامون لدى نقيب هيأة الرباط بشأن قضايا تتنافى وممارسة مهنة المحاماة ! بل تحركت لاستصدار “بيان” من وكرين آخرين للأجندة؛ واحد من الريف ( الناظور) وقعه واحد ممن اختار أن يغير دينه إلى اليهودية التلمودية وينخرط في الدعاية لكيان الإبادة الجماعية ويتفاخر بجيش إبادته وعلاقاته بمخابراته، والثاني بسوس العلم والمقاومة من الذين لا يجدون حرجا في الدفاع عمن يسيء إلى رسول الله (ص) ويسيء للملك
غير أن بيت القصيد في هذه القضية لا يكمن في الشكاية القضائية في حد ذاتها، وإنما في الخلفية السياسية التي جاءت في سياقها. فمن حق أي شخص أن يلجأ إلى القضاء، لكن من حق الرأي العام أيضًا أن يتساءل : لماذا تتحول كل مساءلة سياسية أو فكرية للأدوار التخريبية لبعض وجوه “التطبيع” إلى ملاحقات ضد أصحابها، بينما تتعثر أو تتوقف الشكايات التي يتقدم بها فاعلون مدنيون وقيادات ورموز حزبية ونقابية بشأن وقائع تمس القانون وتضرب المصلحة الوطنية العليا بشكل فاضح ولا لبس فيه ؟
لقد ظل المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، إلى جانب هيئات وشخصيات وطنية أخرى، يلجأ إلى المؤسسات القضائية كلما اعتبر أن هناك أفعالًا أو تصريحات تستوجب التحقيق وفق القانون، بما في ذلك قتل مغاربة وطفلات مغربيات من طرف ضباط وجنود جيش الحرب الصهيوني، واضعًا ما لديه من وثائق ومستندات رهن إشارة الجهات المختصة. وفي المقابل، يجد نفسه باستمرار أمام شكايات وتحقيقات بسبب مواقفه السياسية ونشاطه المدني. ولسنا هنا بصدد الاعتراض على حق أي طرف في التقاضي، وإنما بصدد إثارة سؤال أعمق يتعلق بتكافؤ الحماية القانونية وتكافؤ الاهتمام بالشكايات، أيًا كان أصحابها.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الذي أثاره “بيت الذاكرة” لا يتعلق بالتراث اليهودي المغربي، فهذا التراث جزء من تاريخ المغرب لا ينازع فيه أحد، وإنما يتعلق بالوظيفة التي أصبحت تؤديها المؤسسة في نظر عدد من المتابعين. فقد أثار استقبال قادة صهاينة؛ سياسيين واستخباريين وعسكريين، من بينهم المدعو “سيدني كوركوس”، نقاشًا حول معايير هذا الاستقبال ومدى انسجامه مع الرسالة الثقافية التي أعلن عنها عند تأسيس المؤسسة. وإذا كان القيمون على هذه المؤسسة، الذين لا يمثلون حتى 1٪ من المغاربة، لا يقيمون وزنا ل 99٪ منهم، فلا أقل من حق كل هؤلاء المغاربة من أن يناقشوا هذه الاختيارات وأن يطالبوا بتوضيح الأسس التي تقوم عليها…
… من حقهم أن يسألوا أندريه أزولاي (خاصة مع حساسية موقعه الرسمي بالدولة) عن استقبال وتكريم مجرم حرب خدم في جيش الحرب الصهيوني وقتل عدد من الأسرى المصريين بعد استسلامهم في صحراء سيناء خلال حرب 1973، ويتباهى بجرائم الحرب التي قام بها وينشرها على حسابه على وسائط التواصل الاجتماعي.
من حق المغاربة أن يسألوه هل أَطْلَع الملك على حقيقته قبل أن يقدمه له ببيت الذاكرة ؟! أم أنه اختار أن يمرر على الدولة حضور هذا المجرم دون التعريف بحقيقته وحقيقة تاريخه الإجرامي كمجرم حرب.. مع التذكير بأن الدولة نفسها ترأس لجنة القدس…
من حقهم أن يسألوه عما يفعله ب ” بيت الذاكرة ” وعن السوابق في هذا الصدد، وليس أولها قصة استقباله واحتفائه بالصحفي الصهيوني؛ سيريل عمار .. داخل بيت الذاكرة . وهو الصحفي الصهيوني الذي خصص برنامجا مباشرا عن شخص الملك الراحل الحسن الثاني وتقديمه بأنه كان “جاسوسا لإسرائيل” ساعدها في انجاز حرب يونيو 1967 و إسقاط القدس .. وذلك في برنامج خاص إسمه “أوريون” على قناة “اسرائيل 24” ..في سياق الاحتفال بذكرى حرب الستة أيام = “الكيبور”
الخ … الخ … الخ !!!
وبالمثل، فإن الجدل الذي أثارته تصريحات جاكي كادوش، والمنشورة في وسائل إعلام، يظل جزءًا من النقاش العمومي متى تعلقت بزعم ” علم و مباركة الملك” لأفعاله التآمرية والتي بلغت حد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه صهيوني..من قبل غلمان جاكي كادوش من عصابة شباب ما يسمى “مؤسسة شراكة المتصهينة”
فمثل هذه التصريحات، بحكم حساسيتها، تستوجب الوضوح والتدقيق، لأنها تمس مؤسسة دستورية من المفروض أنها تمثل جميع المغاربة، ولا يجوز أن تبقى محل تأويل أو توظيف في أي اتجاه .. ولا أي تجاهل من الجهات صاحبة الاختصاص، لخطورتها، و لأنها تفعل فعلها في تآكل المصداقية وضرب هيبة الدولة بما لا يخفى على أحد .. والجميع يتذكر التوقح على مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكذا الإساءة إلى الملك ونسب كلام غير منطقي وغير مقبول إليه في وسائل الإعلام .. وهو ما يذكر بقول أحدهم بأن “الملك يهودي ولا علاقة له بآل البيت “، كما تقدم واحد آخر ليتكلم، تحت إشرافه، باسم الملك خلال زلزال الحوز وبما يناقض بالضبط توجهات الدولة وضدا عليها وعلى قراراتها …
إن القضية، في جوهرها، ليست قضية أشخاص، وإنما قضية مشروع ؛ وأي مشروع ومَن وراءه ولأية أهداف استراتيجية خطيرة.

*آخر الكلام*
إن الصويرة أكبر من أن تختزل في مؤسسة، وأكبر من أن تختزل في أشخاص، وأكبر من أن تتحول إلى عنوان لصراع على هوية المغرب، رغم صبغها بالأزرق والأبيض. إنها مدينة مغربية بامتياز، وستظل كذلك. أما حماية تنوعها الحقيقي، فلا تكون باستعمال “الذاكرة” لإنتاج “هويات قاتلة ” بتعبير أمين معلوف، ولا باستنبات كيانات وهمية جديدة تُعتبر حادثة حاخامات باب دكالة أحد مؤشراتها التحذيرية، وإنما بصيانة تاريخ المغرب كله، والدفاع عن سيادته، واحترام ذكاء المغاربة، وتركهم يحكمون بأنفسهم على الوقائع والوثائق، لا على الحملات والشعارات، التي لم تنتج إلا خرابات ومآسي لا قدر الله .
نقول قولنا هذا وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك !
—————
× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى