مجرد رأي

كلنا ذاك الإنسان: المتقاعد.. حين تغدو المكافأة عقاباً

 دعوة لإنصاف “بناة الوطن

لم تعد المفردة اللغوية التي تشتق “التقاعد” من “الموت قاعداً” مجرد استعارة خيالية أطلقها الألم، بل استحالت إلى واقع مرير يصف وضعاً إنسانياً مأزوماً. إننا اليوم لا نتحدث عن فئة معزولة، بل ننظر إلى إنسان يمثلنا جميعاً في مرآة الغد؛ فالحياة حين تكشر عن أنيابها، لا تفرق بين موظف ومتقاعد، أو عامل وعاطل، والقدر الذي يواجهه متقاعدو اليوم هو ذاته المصير الذي ينتظر موظفي الغد ما لم تُدركنا يد التغيير.

إن نظامنا التقاعدي، بهياكله الجامدة ومواده العتيقة، يقف اليوم عاجزاً عن مجاراة إيقاع الحياة المتسارع. هو في سباق المتطلبات المعيشية أشبه بسلحفاة تحاول اللحاق بأرنب التضخم والغلاء. المحزن حقاً أن الأنظمة أصبحت أحباراً على ورق، تفتقر إلى الروح الإنسانية، ويقوم على تنفيذها موظفون غفلوا في غمرة انشغالهم بالإجراءات أنهم سيفدون ذات يوم على ما وفد عليه هؤلاء، وسيصبحون مكان من يُعرقلون اليوم صرف حقوقهم المشروعة التي هي “حق وليست منة”.

لقد حولت القوانين الحالية المتقاعدين من أسر متوسطة الحال ومطمئنة إلى فئات تصارع من أجل الوفاء بالضروريات. وتتفاقم الفجوة الإنسانية بعد رحيل المتقاعد؛ فبدلاً من أن يكون النظام حارساً لأيتامه الذين فقدوا سندهم، نجد “نوتة التقاعد” تمارس عليهم عقاباً جماعياً باقتطاع الرواتب وإسقاط الأسماء، تاركة إياهم في دوامة المجهول. كيف للمتقاعد أن يطمئن على غده وهو يرى أبناء رفاقه يقفون على أبواب الجمعيات الخيرية بعد أن كانوا في كنف آبائهم ينعمون بعزة النفس والكرامة؟

إن هذه الصناديق والمؤسسات لم تُخلق من عدم، بل المتقاعدون هم من شيدوا صروحها بخصومات رواتبهم في شبابهم، وهم الممولون الأصليون الذين “رّبوا لها الريش” كما يقال. فمن الجحود بمكان أن تغتني هذه المؤسسات وتزدهر باستثمارات أموالهم، ثم تتركهم في خريف عمرهم بلا سكن يمتلكونه أو زيادة في المعاش تواجه تغول الأسعار والكراء. هل عجزت هذه المؤسسات العملاقة عن ابتكار حلول سكنية أو وحدات تؤجر بأسعار تفضيلية لمن أفنوا أعمارهم في بنائها؟

إن المعنى الحقيقي للتقاعد في المجتمعات التي تحترم الإنسان هو “الراحة بعد العطاء”، أما عندنا فقد استحال إلى “رحلة شقاء” تجبر المسن على بدء حياته من جديد للبحث عن لقمة عيش تسد رمقه. يبقى السؤال موجهاً لكل ضمير حي في عهدنا الجديد الذي ننشده خالياً من الظلم والدكتاتورية: من ينصف هؤلاء الذين قدموا زهرة أعمارهم لبناء الوطن؟ إن كرامة المتقاعد هي معيار تحضر المجتمع، وإنصافهم اليوم هو تأمين لمستقبلنا جميعاً.. فكلنا ذاك الإنسان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى