الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

«كوميديا الغفران» لحبيب سروري: جسرٌ بين المعري ودانتي.

بقلم: محمد الشقّاع
في كتابِهِ الجديد «كوميديا الغفران: من المعرّي إلى دانتي» (دار المحيط للنشر)، لا يسعى حبيب سروري إلى تقديم درسٍ أكاديمي، أو مقارنةٍ شكليّة بين نصين، بل إلى بناء نصٍّ حيّ يعبر الزمن، يوقظ فيه كتاب «رسالة الغفران» للمعرّي من عزلته (وبالذات: «رواية الغفران»: الجزء الروائيّ من الرسالة)، ويستدعي «الكوميديا الإلهية» لدانتي، التي لم يكفّ الغرب عن دراستها وتسليط الأضواء عليها. ثمّ يتركهما يتفاعلان في حوارٍ ضمنيٍّ، يجعلنا نتأمّل في معاني الغفران، الخلاص، الشفاعة، والغيبيات عامة، والنفس البشرية قبل كلّ ذلك، من منظورٍ عدستُهُ العقل.
يعود سروري إلى أبي العلاء، صاحب المقولة الخالدة «لا إمام سوى العقل»، فيستحضره لا بوصفه شاعرا عبثيا، أو ساخرا متشائما كما صُوِّر كثيرا، بل فيلسوفا عميق النظر، سبق دانتي بثلاثة قرون، حين ابتكر رحلته في العالم الآخر، مستعرضا مصائر البشر بعد الموت، بلغة ساخرة فلسفية لاذعة، تنقض ظاهر العقائد لتكشف جوهرها. في المقابل، تُرجِم نصّ دانتي إلى عشرات اللغات، وتحوّل إلى حجر أساس في الأدب الغربي، بينما ظلّت «رسالة الغفران»، على عظمتها، أسيرة لغتها المعقّدة الباذخة، واستطراداتها الطويلة الصعبة واستشهاداتها الكثيرة، التي حجبتها عن القارئ المعاصر. وهنا تتجلّى براعة سروري، الذي لا يكتب بصفته ناقدا أو ناسخا، بل وسيطا بين زمنين؛ إذ يحاول أن يبسّط لنا رواية الغفران (في صيغةٍ مدرسيّة بدأت بعض الجامعات العربية في تعليمها، على غرار ما تفعله المدارس الغربية لتبسيط الكوميديا الإلهية)، ويزيل عنها ما تراكم من صعوبةٍ لغويةٍ حالت دون أن يقرأها القارئ العربي العادي، رغم كونها من أعظم الأعمال الأدبية في تراثنا. فهو يعيد صياغتها بوعيٍ لغويّ حديث، دون المساس بروحها ولا جوهرها، بل يعيد فتح بابها أمام القارئ ليصل إلى النصّ الأصلي وقد تهيّأ لفهمه، ثم يدمجها بمهارة، في فصلٍ حواريّ، مع الكوميديا الإلهية التي نالت حقها من الترجمة والشرح والاحتفاء، في محاولة شجاعة لإنصاف العمل العربي الذي ظلّ في الظلّ.
إنّ هذا الجهد من سروري يستحق الإشادة، لأنه يتيح للقارئ العادي أن يقترب من رسالة الغفران، وأن يقرأها أولا بصيغتها المبسطة، ثم يعود إليها في نصها الأصيل وقد صار مهيأ لاحتضان عمقها ولغتها الكثيفة، فيدرك أنها ملحمة فكرية لا تقل شأنا عن أي أثرٍ عالميٍّ رفيعٍ خالد.
في نصّ المعرّي تحديدا، يبدو ثراء التأمّل متقدّما على زمنه، تعدديّ المعنى لأننا هنا أمام مواضيع غيبية. لذلك نلاحظ أن هناك من يتّهم المعرّي أحيانا بالباطنيّة، أو بالتناقض، بسبب تعدّد معانيه في رواية «الغفران»، فهو من ناحية يسخر كثيرا من يوميات أهلِ الجنّة على سبيل المثال، لكنه يدعمها بآيات قرآنية تؤكدها! ما يفعله هنا في الحقيقة هو ممارسة تعدد المعنى بمهارة نادرة، حين يتناول المسائل الميتافيزيقية التي لا تقبل الحسم. وهذا ما يفعله اليوم كبار الأدباء عندما يسردون أعمالهم في عوالم غيبية: يتركون القارئ يغوص في بحر متعدّد المعاني. لا ننسى أن هذه القضايا ليست معارف يقينية، بل فرضيات مفتوحة على التأويل. ربما لذلك نجد أن بعض من لم يستوعبوا ذلك خرجوا بأحكام سريعة، منهم من رأى في المعرّي زنديقا، ومنهم من اعتبره مؤمنا عميق الإيمان. والحقيقة أن نصّه نفسه يتيح هذه القراءات المتباينة لأنه نصّ طباقيّ، يرفض القطع النهائي ويحتفي بالاختلاف، وهذه ميزةٌ أدبيّةٌ راقيةٌ. لقد بلغ المعري ذروة التأمل في قوله: «أمّا الإله فأمرٌ لستُ مدركَهُ». عبارة تكشف عن وعي عميق بحدود المعرفة الإنسانية، وتفتح النصّ بسبب ذلك على آفاق لا نهائية من التأويلات. فالثراء السردي عنده ينشأ من توجيه المعنى نحو فرضياتٍ متعدّدة، وترك الباب مفتوحا أمام العقل الحرّ ليختار ويؤول.
لقد كان المعرّي فعلا، كما لاحظ حبيب سروري في كتابه، يسرد روايتَه لِقارئين مختلفين، أحدهما «ذو عقل»، والآخر «ذو دين»، من وحي بيته الشهير:
اثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عقلٍ بلا
دِينٍ، وآخرُ ديِّنٌ لا عقلَ لهْ.

وهذا الفصل بين العقل والإيمان ليس معيارَه الإلحادُ أو الورع، بل اليقين الجامد من جهة، والبحث الحرّ والشكّ الخلّاق من جهة أخرى، لذلك قدّم المعري رواية «الغفران» بوصفها نصا مفتوحا، متاحا لكلّ قارئٍ كي يملأ فراغاته بما يراه حقا، لا كعقيدةٍ جاهزةٍ تُملى.
عدا ذلك، في كلِّ الأمور التي تمسّ حياتنا الأرضية الدنيوية، والتي يمكننا لمسُها وتحليلُها على أرض الواقع، فإن آراء المعرّي (كما تقدِّمها ديوانه العظيم: «لزوم ما لا يلزم») واضحة جدا، شجاعة بل راديكالية غالبا. أكان ذلك حول الخلافات الفكرية أو السياسية في عصره، أما الطوائف الدينية جميعها (الصوفية، المعتزلة) التي رفضها أو انتقدها بشدّة، وكذا حول الأديان والرُّسل والطقوس والعبادات، وحول القيم الأخلاقية النفعيّة للأديان، أم على العكس، كما يراها المعرّي، غاية بحدِّ ذاتها، على المرء أن يعملها من أجلها، وليس من أجل الحسنات أو الثواب. يلتقي المعري بدانتي في أعمق مستويات الكتابة: التخييل. كلاهما يستخدم الخيال لا للهروب من الواقع، بل لاختبار الحقيقة من داخله؛ كلاهما يخترق العالم الآخر ليعيدنا إلى جوهر العالم الحيّ. وإذا كانت الكوميديا الإلهية ترسم هندسة السماء والمصير من وجهة نظرٍ كاثوليكية، فإن رواية «الغفران» تفتح باب السؤال عن العدالة الإلهية بمعناها الفلسفي والإنساني.
تجدر الإشارة هنا إلى فصل بالغ الأهمية في كتاب سروري: «رواية الغفران: قراءة كاشفة» يغوص فيه في أعماق رسالة الغفران مستندا إلى رؤى المعرّي العقلانية، ليكشف ما يحمله النصّ من دلائل تنسجم مع هذه الرؤى، على نحو «يشعل فتيل المتفجرات التي تكمن فيها»، حسب تعبير فالتر بن يامين، كما تقول مقدمة الكتاب. «فتيل المتفجرات» الكامن في النص، يعني هنا الطاقة النقدية الكامنة التي تهزّ يقين القارئ، وتجعله يواجه ذاته لا عقيدته فحسب. وهنا ينجح سروري في إعادة إحياء المعري لا بصفته شاعر العزلة والشكّ، بل مفكّرا كونيا يضع العقل فوق الإيمان الأعمى، ويجعل من الشكّ طريقا للمعرفة. لهذا الفصل النقدي الإبداعي، الذي اعتبرُه لبَّ العمل، أهمية خاصة في نظري ويحتاج إلى دراسةٍ لوحده، لأنه يتغلغل في أعماق رواية الغفران، ويكشف، بعيدا عن أي نفاق اعتدنا عليه في القراءات الأدبية التقليدية التي تمس المعتقدات القديمة، رؤية العظيم الخالد المعري، الذي سبق عصره بقرون، حول كل المسلمات الدينية، وقصصها الميثولوجية.
ختاما، كوميديا «الغفران» ليست مجرد كتابٍ تجميعيّ، بل مغامرة فكرية وجمالية تعيد الاعتبار إلى نص عربي فريد، وتقرأ دانتي من زاوية جديدة، لا كأبٍ للحداثة الغربية فقط، بل كرفيقٍ للمعري في رحلة الوعي الإنساني الكبرى. ولعلّ أفضل تلخيصٍ رمزيٍّ للكتابين هو ما قاله دانتي في ختام ملحمته: «الحبّ الذي يُحرّك الشمس وبقية النجوم»، وما قاله المتنبي (شاعر المعريّ المفضّل) عن الشّعر والسرد وعشق الكلمات، غاية المعرّي أوّلا وأخيرا: «لا خيلَ عندك تُهديها ولا مالُ… فليُسعفِ النطقُ إن لم تُسعفِ الحالُ». وفي عمل سروري، يسعفنا النطق فعلا؛ إذ يعيد إلينا قدرة الكلمة العربية على أن تخلق عوالم، وتصل بين أزمنة، وتضع العقل في مواجهة الأبدية. إنها مغامرة تُذكّرنا بأن الأدب، حين يلتقي فيه المعري بدانتي، لا يكون شرقا ولا غربا، بل كونيا، إنسانيا، واحدا في جوهره: بحثا لا ينتهي عن معنى الوجود.
*كاتب يمني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى