فضاء الصحافةمجرد رأي

لا بيروت في غزة.

عثمان لحياني
موقع: العربي الجديد.
قبل أيام نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، المقربة من الحكومة، خبراً يتحدث عن وجود مقترح فرنسي سعودي يقضي بتقديم عرض لحركة حماس بالخروج من غزة وتأمين انتقالهم إلى الجزائر، وهو خبر يشبه خبراً نشرته الصحيفة نفسها في العام 2003، عن مقترح قدم للرئيس العراقي الراحل صدام حسين لتأمين خروجه إلى الجزائر. وبدا هذا الخبر جس نبض للمقاومة وفتح مسلك أمامها، في محاولة لاستدعاء خروج بيروت في العام 1982.
لا خروج من غزة ولا ذهاب إلى المنفى. هذه المرة لا تبدو المقاومة الفلسطينية في غزة في وارد التفكير إطلاقاً في تكرار خروج المقاومة من بيروت في 1982.
في بيروت صمدت الفصائل لأكثر من 80 يوماً، بعد الاجتياح الإسرائيلي في يونيو/حزيران من ذلك العام، قبل أن تقبل تحت إكراهات متعددة تبدأ من ضغط الحصار الإسرائيلي وتنتهي عند الخذلان العربي والتواطؤ الدولي.
بين بيروت وغزة كثير من الشبه في تفاصيل الاجتياح وقصة الصمود المقاوم، والوقائع والأحداث وأطرافها المتواطئة دولياً وإقليمياً. لكن الفارق بين التجربتين، تصنعه ثلاثة عوامل رئيسية، تُحدد موقف المقاومة، وتسطر أداءها الميداني، وتفرز تقديرها السياسي مراكمة مع التجربة النضالية عام 1982.
تقاوم الفصائل هذه المرة على أرض فلسطينية تعرف تضاريسها وتمرست في دروبها، وهي بالأساس حاضنتها الشعبية، دون أن تكون تحت ضغط أي طرف آخر. لقد استخلصت المقاومة من تجارب نضالية سابقة أن المعركة يجب أن تتم داخل فلسطين وليس في لبنان أو في الأردن أو في مساحات أخرى لا يملك فيها الفلسطينيون الحق في تحديد جغرافيتها السياسية.
أي استقراء هادئ للتأثيرات التي أحدثها قرار الخروج من بيروت في العام 1982 على حالة ومسارات النضال الفلسطيني -بغض النظر عن سياقاته- يوضح أنه كان خطأ استراتيجياً أصاب الفعل المقاوم في مقتل، لأن خروج المقاتلين من بيروت والذهاب إلى المنافي، عبر قبرص نحو الجزائر وتونس وليبيا واليمن، جعل البندقية الفلسطينية تبتعد عن أرض المعركة، وتمنح إسرائيل انتصاراً سياسياً وميدانياً.
في المقام الثاني، تبدو المقاومة الفلسطينية أكثر تنظيماً وجاهزية وجرأة في الأداء الميداني، وتتحكم في وسائل القتال واستخدام تكتيكات الحرب، وهي تغذي بإنجازاتها الميدانية التوتر في الداخل الإسرائيلي الذي يتجه إلى مزيد من الهشاشة، وتستفيد بشكل بالغ من وسائط الإعلام والاتصال ضمن أدوات الحرب النفسية ضد العدو، ما أسهم في قلب الكثير من المعادلات، بما فيها معادلة كسر السردية الصهيونية.
وهذا مدخل ثالث للقول إن المقاومة التي توسع إدراكها لمعطيات الواقع السياسي، كانت قد حسمت خياراتها مبكراً، وحددت أهداف المواجهة والتزمت بتحقيقها تحت أي كلفة وتضحيات تستدعيها المعركة، ورسمت منذ البداية خطوط المواجهة العسكرية لكسر الردع الإسرائيلي وتغيير مسارات القضية الفلسطينية، محلياً وإقليمياً ودولياً، وحددت السقف السياسي لأية تفاهمات ممكنة، ليس بينها تكرار أي خروج أو منفى أو نكبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى