24 ساعةالواجهةقرأت لكم

لا ديمقراطية بالتشهير ولا تغيير بتهديد المؤسسات

لا ديمقراطية بالتشهير ولا تغيير بتهديد المؤسسات

بقلم: إدريس السدراوي : حقوقي وخبير في اليات الامم المتحدة

في خضم النقاش الوطني حول آفاق الإصلاح ومحاربة الفساد، ظهرت بعض الأصوات التي تدّعي النضال من أجل التغيير الديمقراطي، لكنها تمارس في الواقع أساليب تتناقض مع المبادئ الحقوقية وأخلاقيات العمل المدني النبيل. من بين هذه الأصوات، يبرز اسم هشام جيراندو، الذي جعل من التشهير بالذوات والمؤسسات منبرًا دائمًا، دون سند قانوني أو وازع أخلاقي.

لا إصلاح بالفوضى… ولا ديمقراطية بإهانة المؤسسات
التغيير الديمقراطي لا يُبنى على هدم المؤسسات ولا على التحريض ضدها، بل على تقويتها ومساءلتها ضمن دولة الحق والقانون. إن ما يقوم به المعني من تهجم ممنهج على القيادات الأمنية والقضائية، ورجال الدرك والجمارك، واتهامهم في نزاهتهم وشرفهم المهني دون أدلة أو أحكام قضائية، يُعتبر مساسًا خطيرًا بمقومات الدولة، وتهديدًا مباشرًا للثقة في مؤسساتها.

مثل هذه التصرفات تُغذي بيئة الفوضى وتخدم أجندات متطرفة، تسعى إلى زعزعة الاستقرار الوطني، وعلى رأسها الإرهاب، الذي يتغذى على تقويض الثقة في الدولة وأجهزتها.
من منطق المظلومية إلى سياسة الأرض المحروقة

بعد أن تمّت محاكمة بعض أفراد أسرته في ملفات خضعت لمساطر قضائية، اختار هشام جيراندو الانزلاق نحو خطاب انتقامي، مركزًا هجومه على مؤسسات الدولة، خاصة المؤسستين الأمنية والقضائية. وهنا نؤكد من منطلق حقوقي مبدئي، أن أي شخص غير متورط لا يجوز تحميله تبعات أفعال الغير، وأن منطق العقاب الجماعي مرفوض تمامًا.

لكن بدلاً من التمسك بهذا المبدأ النبيل، لجأ المعني بالأمر إلى تهويل سياسي لقضايا عائلية، وشنّ حرباً إعلامية مفتوحة، هدفها نسف ما تبقى من الثقة في المؤسسات. لقد تحوّل من فاعل محتمل في النقاش العمومي إلى مروّج لخطاب الهدم، يُمعن في ضرب مقومات الاستقرار، دون أي مشروع إصلاحي حقيقي.

ازدواجية الخطاب… مناورات مكشوفة ومصداقية مفقودة

من اللافت أن جيراندو يتلوّن في مواقفه حسب الظروف والمصالح: تارة يدّعي الدفاع عن الدولة، وتارة أخرى يهاجم رموزها بلغة مبطنة واتهامات غير مباشرة. والمؤسسة الملكية، التي تحظى باحترام واسع وشعبية راسخة في وجدان المغاربة، لا يجرؤ على الإساءة إليها بشكل مباشر، لكنه يحاول المساس بها من خلال ضرب محيطها والتشكيك في المؤسسات المرتبطة بها.

إن هذه الازدواجية لا تعكس فقط غياب الثبات المبدئي، بل تكشف عن سلوك انتهازي هدفه تحقيق الإثارة، وجذب المتابعين على حساب الحقيقة والمصلحة العامة. فالمُصلِح الحقيقي لا يتلاعب بالثوابت الوطنية، بل يتصرف بمسؤولية ووضوح ضمن الإطار القانوني والمؤسساتي.

ضحايا بلا عدالة… والتشهير كأداة للابتزاز

لقد أساء هشام جيراندو، في خرجاته المتكررة، إلى عدد كبير من المواطنين والمواطنات: فنانين، صحفيين، حقوقيين، موظفين، بل وحتى مواطنين بسطاء، عبر حملات ممنهجة من السبّ والقذف والتشهير، دون احترام لحق الرد أو افتراض البراءة. هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية وتتنافى كليًا مع أخلاقيات الإعلام وأعراف النضال الحقوقي.

إن حق النقد لا يعني التفنن في الإساءة، وحرية التعبير لا تعني اغتيال السمعة وتشويه الذمم خارج القانون.

في الختام : الدفاع عن الوطن لا يكون بالتخريب الإعلامي
النضال الديمقراطي الحق يمر عبر القنوات السلمية والمهنية، وعبر العمل المدني الجاد المؤطر بالقانون. أما من يحوّل الإعلام إلى أداة لتصفية الحسابات، ويهاجم مؤسسات الدولة في استعراضات فارغة من المضمون، فلا يمكنه أن يدّعي خدمة الوطن.

إن الأمن، والعدالة، والكرامة، لا تتحقق بالتشهير، ولا ببثّ الكراهية، بل عبر نضال مؤسساتي مسؤول، يحترم الناس والمؤسسات، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

دعوة للتعقّل والمراجعة… إن كان صادقًا في دعواه

وأمام هذا المسار المتوتر، فإننا نخاطب هشام جيراندو بنداء عقلاني: إذا كان يؤمن فعلًا بالإصلاح والتغيير، فالأجدر به أن يُجري مراجعة نقدية صادقة لمساره، ويعتذر لكل من أساء إليهم دون وجه حق، وينتقل من منطق المواجهة والتحريض إلى خطاب مسؤول يُسهم في البناء لا في الهدم.

الكرامة والحرية والعدالة، لا تُنال عبر التخريب الرمزي للمؤسسات، بل تُبنى بالتواضع، والنقد الذاتي، والإيمان بأن الوطن يتسع للجميع… ولكن في إطار الاحترام المتبادل، والحقيقة، والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى