24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسة

لماذا تخاف الأحزاب عشية الانتخابات من فتح ملفات الفوسفاط و المعادن والبحار و المياه والمليارات المنهوبة؟

بقلم: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في كل مرة تقترب فيها الانتخابات بالمغرب، يُفترض أن يدخل البلد في لحظة سياسية حقيقية، لحظة نقاش وطني كبير حول الثروة، والعدالة الاجتماعية، والسيادة السياسية و الاقتصادية، والفساد، ونهب المال العام، ومستقبل الأجيال القادمة. لكن الذي يحدث هو العكس تماما.

يتحول المشهد إلى سوق للكلام التافه و الساقط ، والاتهامات السطحية، والتراشق اللفظي الفارغ و المنحط ، وكأن الشعب المغربي فاقد للوعي أو لا يفهم ما يجري حوله.

زعماء الأحزاب السياسية يتحدثون عن كل شيء إلا أموال الفوسفاط و المعادن و البحر و المياه القضايا الحقيقية التي تخنق المغاربة.

يتحدثون عن الدعم الاجتماعي، وعن المنجزات، وعن الإصلاحات، وعن من قال ماذا ومن هاجم من، لكنهم لا يملكون الجرأة السياسية والأخلاقية لفتح الملفات الحارقة التي يعرفها كل المغاربة.

أين تذهب أموال الفوسفاط والمعادن والثروات البحرية؟

المغرب بلد غني، وليس فقيرا كما يريد البعض أن يقنع الشعب.

بلد يتوفر على ثروات هائلة:

الفوسفاط، الذهب، الفضة، النحاس، الكوبالت، الليثيوم، الرمال، الثروة السمكية، الأراضي الفلاحية، الطاقة الشمسية والريحية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي.

لكن السؤال الذي يخيف الأحزاب السياسية والنقابات والإعلام هو:

أين تذهب هذه الأموال؟

لماذا لا يشعر المواطن المغربي البسيط بثروات بلاده؟

لماذا يعيش ملايين المغاربة تحت خط الفقر والهشاشة بينما تُصدَّر خيرات البلاد بالمليارات؟

لماذا لا تفتح الأحزاب السياسية نقاشا وطنيا حول مداخيل الفوسفاط والمعادن والثروة البحرية؟

ولماذا لا يطالبون بتقارير دقيقة وشفافة حول توزيع هذه الثروة؟

الجواب واضح:

لأن جزءا كبيرا من النخب السياسية تحول إلى شريك في منظومة الريع والصمت والتواطؤ.

المخطط الأخضر… مشروع فلاحي أم كارثة وطنية؟

المخطط الأخضر الذي قُدم للمغاربة باعتباره مشروعا لإنقاذ الفلاحة المغربية تحول، في نظر عدد واسع من المواطنين والمتابعين، إلى مشروع استنزف المياه والثروات وخدم كبار اللوبيات الفلاحية أكثر مما خدم الفلاح الصغير أو الأمن الغذائي الوطني.

لقد صُرفت مليارات ضخمة، لكن ماذا كانت النتيجة؟

ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل غير مسبوق.

تدمير الفلاحة المعيشية الصغيرة.

استنزاف الفرشة المائية.

توجيه الإنتاج نحو التصدير بدل تأمين السوق الوطنية.

تشجيع الزراعات المستنزفة للماء في بلد يعاني الجفاف.

تحول الماء إلى سلعة تهرَّب فعليا عبر تصدير بعض المنتجات الفلاحية نحو الخارج.

لقد أصبح المغاربة يشاهدون بأعينهم كيف يتم تصدير الطماطم والأفوكادو والفواكه الحمراء وغيرها، بينما القرى والمدن تعاني العطش وارتفاع الأسعار.

أي منطق اقتصادي هذا؟

وأي وطنية تسمح بتهريب المياه بطريقة غير مباشرة بينما الشعب يعاني؟

لماذا لا يطالبون بالمحاسبة؟

السؤال الأخطر اليوم ليس فقط: من دمر الاقتصاد والفلاحة؟

بل: لماذا تصمت الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والإعلام؟

لماذا لا توجد مطالب قوية بالمحاسبة السياسية والاقتصادية؟

لماذا لا تتم المطالبة بفتح تحقيقات حقيقية حول السياسات الفلاحية والمالية والاحتكارات؟

ولماذا يخاف الكثيرون من الحديث عن تضارب المصالح وهيمنة لوبيات المال والأعمال على القرار السياسي؟

إن أخطر ما وقع في المغرب ليس فقط تغول المال، بل سقوط جزء كبير من الطبقة السياسية والإعلامية والنقابية في حالة من التبعية والخضوع والخوف.

أحزاب كثيرة لم تعد تؤدي وظيفة التأطير والدفاع عن المواطنين، بل أصبحت مجرد آلات انتخابية موسمية، همها توزيع التزكيات والمقاعد والمناصب.

أما النقابات، فكثير منها فقد استقلاليته وتحول إلى جزء من لعبة التوازنات.

وأما جزء من الإعلام، فقد اختار الصمت أو الترفيه أو صناعة التفاهة بدل القيام بدوره الرقابي.

هل هناك توافق على عدم فتح الملفات الكبرى؟

حين تلاحظ أن أغلب الأحزاب، رغم اختلاف شعاراتها، تتجنب الحديث بجدية عن ملفات الثروة والفساد والاحتكار والامتيازات، يصبح من حق المواطن أن يطرح السؤال:

هل هناك اتفاق غير معلن على إبقاء هذه الملفات خارج النقاش العمومي؟

كيف يعقل أن تتحول الانتخابات إلى صراع حول تفاصيل صغيرة بينما يتم تجاهل قضايا مصيرية تمس الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؟

إن ما يخيف بعض القوى السياسية ليس مواجهة الحكومة فقط، بل فتح ملفات قد تكشف حجم التداخل بين السلطة والمال والانتخابات والاحتكار.

الشعب المغربي لم يعد يثق في الخطابات الفارغة

المغاربة اليوم أكثر وعيا مما يعتقد البعض.

وسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار المعلومة، وكشفت حجم الغضب الشعبي تجاه الفساد والاحتكار وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الاجتماعية.

لم يعد المواطن يقتنع بالخطب الانتخابية التقليدية.

بل أصبح يسأل أسئلة مباشرة:

من يملك الثروة؟

من يستفيد من الصفقات؟

من يحتكر المحروقات؟

من يربح من الأزمات؟

أين ذهبت أموال المشاريع الكبرى؟

ولماذا يزداد الفقراء فقرا والأغنياء غنى؟

هذه الأسئلة هي جوهر السياسة الحقيقية، لكن أغلب الأحزاب تهرب منها لأنها تعرف أن الاقتراب منها يعني الاصطدام بلوبيات قوية.

المغرب يحتاج إلى صدمة سياسية وأخلاقية

إن البلاد اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات الفارغة، بل إلى شجاعة سياسية حقيقية.

تحتاج إلى نخب وطنية مستقلة تدافع عن الشعب لا عن المصالح الخاصة.

تحتاج إلى إعلام حر يفتح الملفات الكبرى دون خوف.

وتحتاج إلى قضاء قوي يربط المسؤولية بالمحاسبة.

أما استمرار الصمت، وتفاهة الخطاب السياسي، والتواطؤ مع اقتصاد الريع والاحتكار، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة وارتفاع الاحتقان الاجتماعي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يشعر المواطن بأن السياسة مجرد مسرحية، وأن الانتخابات مجرد إعادة توزيع للأدوار بين نفس الوجوه ونفس المصالح.

وحين تصل الشعوب إلى هذه القناعة، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط اقتصاديا أو اجتماعيا، بل خطرا على الثقة الوطنية نفسها .

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى