
✍️ د: فؤاد هراجة
➖🔹➖🔷➖🔹➖🔷➖🔹➖🔷➖🔹➖🔷➖
لا جَرَمَ أن هناك أسماء يهودية مغربية عديدة بصمت تاريخ المغرب المعاصر، حيث ناضلت إلى جانب باقي المغاربة على عدة واجهات سواء منها السياسية أو النقابية أو الحقوقية، ونذكر على رأسهم براهام السرفاتي وشمعون ليڤي وسيون أسيدون وسيرج بيرديغو…، غير أن هذه الأيادي البيضاء، لن تحجب تاريخا أسودا من خيانات لشخصيات يهودية مغربية أخرى يتفاوت حجمها حسب الوقائع والحيثيات، بحيث أكد استمرار ها وتكرُّرُها في الزمان والمكان المغربيين أننا أمام ذهنية (mentalité) كلما أتيحت لها فرصة الطعن في الظهر إلا فعلت ذلك دون تردد ودون مواربة، ودون استحضار لجميل المغرب التاريخي الذي فتح أبوابه ليهود الأندلس عند سقوط غرناطة، ثم ليهود أوروبا زمن الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وحتى لا نلقي الكلام على عواهنه نستحضر في هذا المقال أمثلة عديدة لشخصيات يهودية مغربية أضرت بالمصالح الوطنية للمغرب، ووقفت إما إلى جانب المحتل الفرنسي أو إلى جانب المتربصين بوحدة الوطن وأمنه واستقراره. إننا بعرضنا لهذه الأسماء نروم القول إن فرنسا قد حكمت فعلا المغرب بأيادي مغربية يهودية، في عدة مجالات من بينها الإدارة والاتصالات والأوقاف والأمن والفلاحة… . لذلك اعتُبِر ظهير 1913 الذي جعل اليهود رعايا فرنسيين محميين بمثابة “انفصال قانوني لهؤلاء عن الأمة المغربية”.
في هذا السياق، نستعرض عدة أسماء لشخصيات يهودية مغربية تقلدت مناصب حساسة في جهاز إدارة المحتل الفرنسي الذي كان يسمى “حماية” بين 1912 و1956، وقد اعتبر هذا التنصيب بمثابة إدارة استعمارية بالوكالة تكفلت بها هذه الشخصيات، ومن أهمها:
1️⃣ ليون بنزاكين Léon Benzaken
تولى منصب مدير الشؤون الشريفة، وهو أعلى منصب في إدارة المحتل، ما بين سنتي 1912 و1956، بحيث أشرف ليون هذا على الأوقاف، وتعيين القضاة، وتطبيق قانون الأحوال الشخصية، بحيث كان يتحكم في كل الشأن الديني لصالح المحتل الفرنسي. وكل هذه المعلومات موثقة ومفصلة في مرجعين هما:
– Annuaire Administratif du Maroc 1938
– مظاهر اليقظة علال الفاسي ج1 ص 215.
2️⃣ شارل بن زاكين Charles Benzaken
تولى منصب رئيس قسم الترجمة بالديوان الملكي في ظل إدارة “الحماية” في الفترة ما بين 1912-1930. حيث كانت مهمته ترجمة كل ظهائر السلاطين إلى الفرنسية، وقد اتُهم بـ”تحريف مضامين الظهائر” كلما قدم تقاريره للمقيم العام اليوطي، بحسب ما ورد في:
Archives Diplomatiques de Nantes, Maroc, Carton 89.
3️⃣ ديفيد صباح David Saba
شغل منصب مراقب مدني “Contrôleur Civil” بمكناس 1918-1940، وكان الحاكم الفعلي للمدينة. من جرائمه الموثقة أنه أصدر قرارات نزع الأراضي من القبائل لصالح المحتل الفرنسي
Bulletin Officiel du Protectorat 1912،
قرارا نزع الملكية رقم 342 و 389
4️⃣إلياهو بن حاييم Elie Benhaim
تقلد منصب مدير عام للبريد والتلغراف في المغرب ما بين 1930-1950. فكانت مهمته السيطرة على الاتصالات. ومراقبة مراسلات الوطنيين” لصالح المخابرات الفرنسية، وهو ما كشف عنه تقرير داخلي سنة 1947 صدر في le Maroc français
5️⃣ جاك كوهن Jacques Cohen
تولى عهد الاحتلال الفرنسي منصب رئيس الأمن العام “Sûreté” بالدار البيضاء ما بين 1942-1955. وتذكر التقارير أنه أشرف بشخصه على اعتقال قادة حزب الاستقلال، وتذكر محاضر الشرطة أنه كان ضالعا في ملفات تعذيب المهدي بن بركة سنة 1951. وهو ما ورد في مذكرات عبد الرحيم بوعبيد “أرشيف ولاية أمن كازا”
6️⃣ في حرب الرمال التي وقعت بين المغرب والجزائر في شهر أكتوبر سنة 1963 خطب الحسن الثاني قائلا: “لن ننسى من تخلى عنا يوم كنا في الميدان”، في إشارة واضحة إلى 18 ألف يهودي مغربي هاجروا صوب الكيان الصهيوني وفرنسا حاملين معهم العملات الأجنبية والدرهم بدعوى الفرار من الحرب تاركين الوطن في أزمة مالية خانقة، وهو ما أكده تقرير بنك المغرب السنوي 1963_ ص 42: “نزيف مفاجئ في احتياطي العملة شهر أكتوبر ونونبر”. في ذات الواقعة نشرت جريدة العلم افتتاحية يوم 5 نوفمبر 1963 تحت عنوان “الذين باعوا الوطن في سوق النخاسة”، مهاجمة 18 يهودي مغربي واصفة إياهم بالخيانة تحت عبارة”من يحولون أموالهم للخارج والمدافع تدوي”. وهو ما زكاه عبد الله العروي في كتاب حرب الرمال (ص 118)، حيث ذكر أن “موقف بعض الأقليات كان سلبياً وشكل إحراجاً دبلوماسياً المغرب”. وهنا نركز مع عبد الله العروي على عبارة بعض الأقليات حتى لا يرمينا أحد بالتعميم ونحن نتحدث فقط عن 18 الألف يهودي.
7️⃣ لم تكتف هذه الفئة من اليهود المغاربة وقتئذ بالهروب من الوطن وتهريب المال والعملات، بل تم كشف ما سمي آنذاك بخلية طنجة التي كانت مكونة من مجموعة من 7 يهود المغاربة كانت مهمتهم إرسال معلومات عسكرية للسفارة الإسرائيلية بباريس ثم بعد ذلك تحويلها إلى الجزائر، التي كانت وقتها على علاقة جيدة مع الكيان الصهيوني. وقد تم تفكيك هذه الخلية وتقديم أفرادها السبع للمحاكمة بحسب ما ورد في _محاضر المحكمة العسكرية الدائمة بالرباط، ملف 127/63_. الحُكم: 5-15 سنة سجناً بتهمة “الخيانة العظمى زمن الحرب. وبعد مرور 40 سنة اعترف شابتي تيفير سنة 2003 في كتابه “The Mossad” أن الموساد كانت له أيادي وعيون وأذان في المغرب خلال حرب الرمال مع الجزائر سنة 1963.
والنتيجة، أن حرب الرمال كانت بمثابة “اختبار ولاء” لليهود المغاربة بعد الخيبات التي طبعت فترة الاحتلال من بعض الشخصيات اليهودية المغربية التي تولت بالوكالة إدارة المحتل، فصادرت الأراضي، واعتقلت وعذبت المقاومين، وتجسست على رجالات ونساء المقاومة المغربية، وحرفت القوانين، وتصرفت في الأوقاف، وحاصرت الشأن الديني والعلماء … . ولئن كان هذا على مستوى الأفراد، فإن فئة أخرى (18 ألف) من اليهود المغاربة رسبت في ولائها للوطن المغرب في كتلة خارج باقي اليهود المغاربة بسبب الهروب وتهريب الأموال، والتجسس، لنستنتج أننا لسنا أمام خيانات منفردة فحسب بل إننا أمام ذهنية طبعت فئة من اليهود المغاربة بالخيانة والتخاذل. ولعل هذا ما دفع المشرع المغربي بعد الحرب إلى إصدار قانون 1964 الذي يمنع اليهود المغاربة من شغل مناصب في الجيش والأمن والخارجية، ما يؤكد أن هذه الفئة على قلتها وسط عدد اليهود المغاربة إلا أن السلطات وقتئذ استشعرت الخطر، وأخذت بالأحوط وسد الذرائع وأقفلت الطريق عملا بالأثر المشهور: “من الحزم سوء الظن”
مع كامل الأسف، اليوم ينسى المغرب كل هذا التاريخ الأسود لا ليطبع فقط مع من خانوا الوطن بل ليطبع مع الكيان الذي احتضنهم وكانت مخابراته تحركهم لصالحه. على ذلك نقول، إذا كان الكيان اللقيط قد تمكن من الإضرار بالمصالح الوطنية فقط عبر بعض وكلائه في المغرب، فكيف سيكون الأمر والحال أنه اخترق كل المجالات والمؤسسات عبر ما يسمى “بالتطبيع”. إن الكيان اليوم لا يستند فقط على بعض الشخصيات اليهودية المغربية في الدولة بل يستند على الدولة نفسها لما نجح في التوقيع على اتفاقيات عسكرية وامنية واستخباراتية وفلاحية وصناعية…، وأضحى المغرب مفتوحا في وجهه، كما غذت مؤسساته تحت طلبه. وحتما سيزداد الأمر تعقيدا وخطورة مع مشروع قانون منح الجنسية المغربية، لأكثر من مليون ونصف المليون صهيون.ني بدعوى أنهم مغاربة. ومكمن الخطورة هنا في أن هؤلاء ليسوا مدنيين، بل جلهم خضعوا للخدمة العسكرية ويعتبرون من جيش الاحتياط، ناهيك عمن هم أصلا في الجيش وشاركوا في إبادات جماعية في حق الفلس.طينيين منذ 1948.
إننا اليوم لم نعد نخشى فقط على الوضع في فلسطين، بل أصبحنا نخشى على أنفسنا من دخول هذا الكم الهائل من حاملي السلاح والمدربين على الحرب إلى المغرب، والذين يخضعون لتوجيهات وتعليمات و متطلبات الموساد. لقد تابعنا كيف رفض وزير الداخلية في كلمتين مقترحات النائبة البرلمانية نبيلة منيب التي طالبت بتضمين نص قانوني يمنع من جهة الجنسية عمن كانوا في الكيان اللقيط، ويمنعهم من جهة أخرى من ولوج وبلوغ وظائف أمنية وعسكرية ومناصب سامية، لكن السيد وزير الداخلية وبعد مرافعة مفحمة للسيدة النائبة أجاب: “تعديل مرفوض” دون أي تعليل يذكر. ما يعني أن هذا الرفض سيفتح المغرب على مستقبل خطير ومجهول، مستقبل لا ندري فيه من سيحكم من، وإلى أين ستتجه بوصلة هذا الوطن؟ كل ما نعرفه أننا أمام فئة مردت على الخيانة والخذلان في أحلك الحالات، فما بالك إن تهيأت لها كل الظروف السياسية والأمنية والعسكرية،الإقليمية والدولية، وكانت مسنودة من أعلى سلطة محليا؟ إن مغرب اليوم وهو يسير فوق حبل “التطبيع” من الصعب عليه أن يحفظ توازنه دون أن يسقط وأطراف الحبل أحدهما في يد الكيان الصهيوني والثاني بيد بعض من شهد لهم التاريخ الرسمي المغرب بالخيانة العظمى للوطن.، فلك الله يا وطني!
إن هذا التحليل بقدر ما يحذر من خطورة ذهنية الخيانة والخذلان، فهو لا يضع اليهود المغاربة في سلة واحدة، تماما كما أوضحت في مستهل مقالي حيث شخصيات وفئات معتبرة قدمت خدمات جليلة للوطن إما وهي في المعارضة أو هي تزاول من داخل مؤسسات الدولة. ولأن الوضع مع التطبيع أصبح غامضا لا يسعنا إلا أن نرفع الصوت بالقول: يا أحرار وحرائر المغرب هبوا لإنقاذ وطنكم وإنزاله من على حبل التطبيع وإعادته إلى سبيل الأمة العربية والإسلامية، وإلا سنسقط جميعا و رسميا في أحضان الصهيونية ونسلمها زمام الوطن!!! هذا النداء في انتظار الاستجابة.





