الواجهة

لماذا يعجز المتصوفة عن وصف تجاربهم بالكلمات؟

اللغة، بصفتها الأداة الكبرى للتواصل البشري، نظام رمزي يقتات على التعددية والحدود والفروق الدقيقة بين الأشياء. وحين تواجه هذه الأداة ظاهرة نفسية تتسم بالوحدة المطلقة وتذويب الفروق، تنشأ إشكالية إبستمولوجية تضع قدرة العقل على الترميز أمام اختبار عسير.

تتكرر هذه الإشكالية بانتظام في أدبيات التجربة الباطنية عبر ظاهرة “العجز عن الوصف”. يصرح أصحاب هذه التجارب، باختلاف أزمنتهم وثقافاتهم، باستحالة تطويع اللغة لاحتواء ما مروا به. وتنبع هذه الاستحالة، من الناحية الفلسفية، من طبيعة الوظيفة العقلية؛ فالعقل يدرك الأشياء عبر “التصورات” التي تتشكل من خلال عمليات الفرز والمقارنة وإدراك التباين بين العناصر المتعددة. ويمكن تشبيه العقل، تبسيطا لهذه المعضلة، بآلة فرز مبرمجة لقراءة الأشكال الهندسية المتعددة؛ فإذا أُدخلت مادة هلامية لا شكل لها ولا حدود إلى هذه الآلة، عجزت عن قراءتها، وأصدرت رسالة خطأ تفيد بعدم وجود بيانات قابلة للتحليل.

عند وصول الفرد إلى حالة “الوعي الموحد الخالص”، تتلاشى جميع التمييزات التجريبية والكثرة المكانية والزمانية. وفي غياب التعددية، يفتقر العقل للمواد الأولية اللازمة لتشكيل التصورات، وبغياب التصورات تسقط القدرة على إنتاج الكلمات. يؤسس ديونسيوس الأريوباغي لنهج “السلب” أو “اللاهوت التنزيهي” استجابة لهذه الإشكالية، مجادلا بأن استخدام أي كلمات إيجابية (كالنور والمعرفة والوجود) لوصف المطلق يعكس قصورا وتناقضا، لأن المطلق يتجاوز جميع المقولات العقلية. ويستوجب هذا النهج نفي جميع الصفات تصاعديا، وصولا إلى نفي النفي نفسه، تجنبا لتأطير المطلق في قوالب لغوية تحد من ماهيته.

في مقابل هذه المقاربة السلبية، تظهر “نظرية المجاز” محاولةً لتبرير الاستخدام الكثيف للغة في الأدبيات الصوفية. يطرح فيليب ويلرايث مفهوم “اللغة التعبيرية” أو “لغة الأعماق”، مجادلا بأن الكلمات المستخدمة هنا لا تستهدف تقديم إشارات تقريرية حرفية، بل تعمل كرموز تنقل إشارات موضوعية بطريقة مغايرة للغة العلم. ووفقا لهذا الطرح، تصبح كلمات مثل “الظلام” و”الصحراء” و”الصمت” مجازات وظيفية تُستخدم لمحاكاة حالة “الخواء” وانعدام التمييز.

غير أن هذه النظرية تواجه إشكالا عند فحصها إبستمولوجيا، فالمجاز يتطلب بالضرورة وجود طرفين معروفين مسبقا للذهن لإحداث المقاربة بينهما. فإذا كان الهدف من التجربة يقع خارج نطاق التصور العقلي كليا، يغدو استخدام المجاز إشكاليا، لأنه يحاول الإشارة إلى مجهول مطلق عبر معلوم نسبي. ويخلص التحليل إلى أن التناقضات اللغوية في النصوص الباطنية ليست مجرد محسنات بديعية أو عجز عاطفي، بل انعكاس لبنية تجربة تتضمن تناقضا في جوهرها؛ تجربة تمثل الخواء والملاء في آن واحد.
=====
ولتر ستيس، التصوف والفلسفة، إمام عبد الفتاح إمام، مؤسسة هنداوي، 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى