ليلة القدر بين الشكلية و المقاصدية

طاهر جابر العلوان يكتب:
مداخل الشيطان عديدة أهمها الانحراف في المفاهيم والمقاصد والغايات، فيحوِّل الشيطان أنظار الإنسان أحيانًا عن المقاصد الأساسيَّة إلى الجوانب العرضيَّة، فالقرآن المجيد حدد لنا المقصد الأساس من الإشادة بالقدر، وليلة القدر، والاصطفاء الزماني، والمكاني، والإنساني، بأنَّ الغاية منه إظهار عظمة هذا القرآن، وضرورة التمسُّك التام بكل ما جاء فيه، وكل ما نزل فيه، وعدم التفريط بأي حكم من أحكامه، أو توصية من وصاياه، أو أمر أو نهي أو موعظة أو بشارة أو نذارة أو ما شاكل ذلك، فكل ذلك مما ينافي المقصد الأساس من بيان قدر تلك الليلة، وأهميَّة الالتفات إليه، وتحويله من الكلام عن فضائل القرآن إلى أمور أخر، وقد نعى الله (جل شأنه) على المشركين اهتمامهم بالشكلانيَّة، وصغائر الأعمال، حين قال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (التوبة:19)، فالإسلام قد علَّمنا كيفيَّة الاهتمام بالمقاصد والحقائق وعدم الاستغراق في الشكليَّات والظواهر والرسوم والصور.
إنَّ من الخطورة بمكان أن يحيل العبد العلاقة بينه وبين الله (تعالى) الذي يفترض أن لا يغفل عنه لحظة واحدة من حياته: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف:36) إلى علاقة موسميَّة تتقيد بزمان معين ومكان محدد، والعبادة إذا لم تؤدِ بعدها إلى أن يذكر الإنسان اللهَ كذكره أباه أو أشد ذكرًا فذلك يعني أنَّها خداج، فالله (جل شأنه) قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ..﴾ (البقرة:200).
أ.د/ #طه_جابر_العلواني





