
جواد طيباني يكتب :
النافذة الأولى:
لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
كتاب: القرآن الكريم
=======
في حلكة الليل، حيث الجدران الصماء، والزمن بطيء جدًا جدًا، وجدت نفسي وجهًا لوجه مع العزلة. مكان لم أجدني أنتمي إليه، ظلام لا يخترق أحشاءه إلا شعاع نحيل تسلّل من إحدى النافذتين. أكوام من المعتقلين متراصة بعضها إلى بعض، متلاصقة، متداخلة، متكدسة. وتوهج سجائر يضيء مساحات ضئيلة من الظلام، ويكشف عن ارتعاش أصابع ووجوه تائهة، بائسة ومنكسرة. وصمت لا يكسر صفوه سوى نوبات سعال متقطّع، مثقل بالهموم والأحزان، تكاد تلفظ معه المهج. وزفرات تحلق نحو السقف كأسراب حمام انعتقت من قفص الهم والحزن.
كان الوقت صيفًا، والحرارة في أوج لهيبها، تجعل الجدران تتصبب عرقًا، والهواء يغلي. حينًا بعد حين، كانت تتدفق من خلف قضبان الباب الحديدي “الكرية” نسمات هواء بارد، ينعش قلب الزنزانة، وتنتشيه الأنوف بإدمان.
كان حي الأول، أو كما يصطلح عليه ب”الباجدة”، مكتظًا بالمعتقلين الاحتياطيين الذين لم تصدر في حقهم الأحكام بعد، مما يجعله فضاءً للتوتر والقلق والخوف. تسرب إلى قلبي في الليلة الأولى بالسجن المحلي خوف لم أشعر بمثله من قبل. لا تطاوعني حتى الكلمات لوصفه أو التعبير عنه. كانت الحاجة آنذاك إلى بصيص من الأمان والطمأنينة، إلى من ينتشلك من مخالب الفزع والرهب، كما انتزع محمد ﷺ من بطش قريش، وكما هدأ روع يونس في بطن الحوت، وكما كانت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
من حسن حظي أن شعاع النور الذي ذكرت كان ينير مساحة من حولي، مما جعل القراءة ممكنة. أومأت دون كلام إلى الحاج عباس؛ هذا الأخير الذي أقمر ليله وقد شارف على السبعين، ذو لحية كثة غزاها البياض، و”طاقية” لا تفارق صلعته التي حاصرها الشيب من كل مكان. أومأت إليه بحركة تعبر عن الحاجة إلى مصحف، دون أدنى عناء مرر يده إلى تحت وسادته وأخرج مصحفًا برواية ورش عن نافع، كان قد لفه بعناية في عباءته ليقيه من الصراصير.
كانت سورة الكهف مقصدي: “إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى”، فكانت كل الكهوف مظلمة إلا كهف القرآن. من بداية السورة: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا”، تدفق إلى قلبي فيض من السكون والراحة الآن. كيف لا وقد صدق قوله تعالى: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”.
إنه عطف الله وعنايته، وحرسه ورعايته، حيث يهمس في أذنك صوت يقول: إن الفتن مهما اشتدت، فالعصمة في الثبات والإيمان. وآية تلو آية تعلّمك أن الحياة زائلة، وأن الله وحده من له ملكوت السماوات والأرض، وتحملك العبر والمعاني إلى صاحب الجنتين، وأن ماله كان ظلًا زائلًا، وأن غروره هلاك. فالإنسان مهما تكبّر وتجبر، فلا عاصم من الموت: “يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ”.
ومشيت خلف الخضر، فعلمت أن الحكمة الإلهية أوسع من أن تدركها العقول البشرية، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك ما كان ليصيبك. وكل ما يجري لنا خلفه لطف خفي من الله. ووقفت عند ذي القرنين الذي جمع بين العدل والسلطة، هذا الذي طاف المشارق والمغارب، يغرس بذور العدالة والحق، ويقبر كل من مرج الفتن والفساد، وأجج نار الظلم والطغيان.
كل صفحة كانت رحلة خارج القضبان، وكل آية كانت تقول لي: لا تحزن إن الله معك. فظل القرآن ملازمي 365 يومًا، حصنًا حصينًا، وقلعة منيعة ألجأ إليها كلما ضاقت بي الزنزانة. فكان القرآن الكريم أول كتاب فتحته خلال مدة حبسي، وكان أكثر الكتب تداولًا بين السجناء، والأكثر قراءة، حتى إن الكثير من السجناء حفظوا أحزابًا منه، وبعضهم ختمه تلاوة وحفظًا.
ومن حسنات القدر أني كنت قد كُلِّفت بترتيب وتصنيف مكتبة السجن. فأول ما قمت به، عكفت على تصحيح وتجليد بعض النسخ التي طالها التلف والغبار. وكنت محظوظًا أني وجدت ضالتي في المكتبة بين الكتب والمؤلفات المتاحة، والتي كانت عبارة عن وقف تبرع به أحد المحسنين للمؤسسة حسب ظني. فكنت دومًا أعود للحي بنسخ من القرآن كان يطلبها مني المعتقلون.
ولمكانتي ونصيبي المتواضع من العلم، كوني أستاذًا، فلم أجد بدًا من أن أنصاع لطلب باقي السجناء داخل الزنزانة. فكان لزامًا علي أن أؤمّهم في كل صلاة، بعد أن أمدّ حنجرتي من بين قضبان “الكرية” مؤذنًا أن الله أكبر. فكنت أجد حلاوة في تلاوة القرآن من مصحف صغير الحجم، كان قد أهداه لي أحد المفرج عنهم، وأنا بدوري أهديته لأحد النزلاء فك الله أسره.
وعند حلول شهر رمضان كان التحدي كبيرًا: أن تختم القرآن خلاله. فكان الأمر تكليفًا قبل أن يكون تشريفًا.
في النهاية، كان القرآن لي نافذتي الأولى في الظلام، ومصدر طمأنينتي وسط زحمة الألم والقلق. أتمنى أن يلامس هذا الكلام قلوبكم كما لمس قلبي في أصعب اللحظات.
وأود أن أسألكم:
ما هي الآية أو السورة التي كانت ملاذكم في أصعب فترات حياتكم؟
شاركوا معي تجاربكم، فلعلنا نجد في حكاياتكم سبلًا أخرى للسكينة والسلام.





