الواجهة

ماذا يتوقّع الإسرائيليون أن يصبح اللواء الدكتور توفيق أبو نعيم “حاكم غزة” الجديد؟

بقلم: هاني الكونيسي 

في غمرة ما يجري بين ركام غزة من عمليات ميدانية تقودها حماس لتصفية مسلحي وقيادات الميليشيات (التي كانت تحظى سابقًا بدعم الاحتلال الإسرائيلي) وتصفهم بالخونة “العُملاء”، وعلى وقع تصريحات ترمب بأنه “لا يأسى على تطهير غزة من تلك العصابات الخطيرة” مقابل تهديداته لحماس بالتدخل “عسكريًا” إن طال أمد عدم امتثالها لبند إلقاء سلاحها (حسب الاتفاق الموقّع في شرم الشيخ) .. وبموازاة تقارير متواترة ومتضاربة عن “سيناريوهات” نشر قوة أمنية مشتركة (دولية بقيادة عربية وبإشراف أمريكي إسرائيلي صريح) في أنحاء القطاع للسيطرة على الوضع الأمني وفرض النظام على سكانه المنهكين من عامي حرب الإبادة والتجويع، بعد “التقاعد المنتظر” من حماس (التي لم يفصح أي بيان رسمي عن طبيعة مستقبلها كحركة أو مصير مقاتليها وكوادرها باستثناء “تلميحات مبهمة” عن إمكانية نقل قياداتها المغضوب عليها الي الخارج!!) .. وبالتوازي مع تسريبات عن ترتيبات تجري في الكواليس الأمريكية المصرية الخليجية لإنشاء “إدارة دولية مؤقتة” أو بالأحرى “سلطة انتقالية” ستتولى مقاليد الحكم في قطاع غزة برئاسة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ‘توني بلير’ (الملطّخة سمعته بدماء العراقيين وبكثير من المؤامرات الحقيرة في بلاده وخارجها) .. بين كل هذا وذاك، انصب اهتمام الإعلام العبري فجأة على تقارير “استخباراتية” تتكهّن بأن تؤول القيادة الميدانية والسياسية “الفعلية” في غزة لقيادي معروف وذي تاريخ مشهود في حركة حماس!!
لا أعتقد أنه من قبيل المصادفة أبدًا أن يتردد اسم اللواء وفيق أبو نعيم (مدير عام قوى الأمن الداخلي في غزة سابقًا) ويتم تداول صوره بهذه الكثافة في أكثر من صحيفة وموقع إسرائيلي -بين الأمس واليوم- تحت عنوان شبه موحّد عن “القائد الجديد لغزة”.
ولمن لم يسمع من قبل بالمرشح الفلسطيني لهذا المنصب “الخطير”، فإن توفيق أبو نعيم (63 عاما) في سطور هو:
-من مواليد مخيم البريج (في جنوب غزة) عام 1962، لعائلة لاجئة من منطقة بئر السبع (بعد نكبة 1948).
-درس في الجامعة الإسلامية بمدينة غزة وأكمل البكالوريوس في علوم الدين (وحصل لاحقًا على درجة الدكتوراة)، واعتقله الجيش الإسرائيلي عام 1983 بعد انضمامه لحماس (كان أحد طلاب الشيخ أحمد ياسين).
– أمضى في سجون الاحتلال حوالي 22 عامًا (حيث أتقن اللغة العبرية وتوثّقت صلته بيحيى السنوار)، قبل إطلاق سراحه في صفقة تبادل أكتوبر 2011 والتي تُعرف باسم صفقة “غلعاد شاليط” (نسبةً لاسم الجندي الإسرائيلي الذي وقع في أسر حماس عام 2006، وأطلقت سراحه مقابل الإفراج عن 1027 من المعتقلين الفلسطينيين، والذين كان من بينهم زعيمها الراحل السنوار).
-شغل مناصب عدة في حكومة حماس، وتسلّم ملفات عائلات الأسرى والشهداء. وكان مسؤولا عن استيعاب الفلسطينيين الذين غادروا سوريا خلال حربها الأهلية (ودمج بعضهم في كتائب القسام- الجناح العسكري).
-له نشاط علني معروف في مجال دعم الأسرى الفلسطينيين (ترأس جمعية “واعد” للأسرى والمحررين).
-له نشاط أمني بارز، خصوصًا في مكافحة الجماعات السلفية المتشددة، وفي ملاحقة المتعاونين مع إسرائيل (الجواسيس والعملاء)، حيث عمل جنباً إلى جنب مع السنوار وروحي مشتهى، تحت مظلة “فرقة المجد”.
-تعرض لعدة محاولات اغتيال، منها تفجير سيارته في النصيرات في 2017 حيث أصيب بجروح متوسطة.
-في أبريل 2021، استقال أبو نعيم من منصبه كوكيل لوزارة الداخلية في غزة (حل محله ناصر مصلح)، تمهيدًا لخوض الانتخابات التشريعية على قائمة حماس، والتي قرر أبو مازن تأجيلها إلى أجل غير مسمّي (وهو ما يستشهد به الإسرائيليون كدليل علي رغبته الدفينة في تولّي دور قيادي سياسي).
-اختفى في أنفاق غزة، ولم يظهر إعلامياً منذ هجمات 7 أكتوبر، لكن ورد في أحد التقارير الصحفية المنشورة بتاريخ 24 أغسطس 2025، أن “أبو نعيم تلقّى اتصالًا خاصًا من رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية قبل أيام من اغتياله في طهران نهاية يوليو 2024”.
هذه هي الخلفية المعلوماتية التي جمعتها عن الرجل من مصادر متنوعة وموثوقة، لكن الإعلام العبري ينظر لمرشّح القيادة الغزاوية بعين مختلفة: أولا من زاوية خبرته الأمنية السابقة في مكافحة المتعاونين (أي الجواسيس) وتصفية العملاء المسلّحين، وهي أولوية راهنة لحماس في استعادة قبضتها على القطاع. وثانيا من منطلق علاقاته العميقة والمتشابكة بطبقات مختلفة من القيادات الميدانية والسياسية للحركة داخل غزة وخارجها (ما يؤهّله أن يكون ذا تأثير ومسموع الكلمة في المرحلة الحساسة المقبلة)، فضلاً عما يزعمونه بأنه “وجه مقبول من بعض القيادات السياسية الفلسطينية وله علاقات وثيقة بقيادات المخابرات المصرية (نتيجة التنسيق معها في عمليات ضد جماعات سيناء عام 2020)”!!. لكنّهم لا يخفون تخوفاتهم من أن يصبح “السنوار” الجديد بفضل خبرته العسكرية وشعبيته الداخلية نسبيا، وكذلك بسبب “كاريزما” شخصية وقدرة على الخطابة يتمتع بها.
وفي ضوء التقارير المنشورة مؤخراً عن “زعامة” أبو نعيم، في كل من صحيفتي ‘يسرائيل هيوم’ و’تايمز أوف إسرائيل’ وموقع ‘كيكار’ (الاستخباراتي) وقناة آي نيوز 24، يمكن عرض المقتطفات التالية التي تعكس ملامح النظرة الصهيونية:
-الفشل في إطلاق سراح أربعة من كبار معتقليها (إبراهيم حامد، وحسن سلامة، وعبد الله البرغوثي، وعباس السيد) ترك مرارة لدى حماس وحافزا للبحث عن قيادة داخلية ذات وزن وخبرة.
-في 15 سبتمبر 2023، وقبل ثلاثة أسابيع فقط من هجوم 7 أكتوبر، كان أبو نعيم الخطيب الرئيسي في حشد جماهيري نظّمته حماس بمخيم البريج، تحت عنوان “أسرانا في سجون الاحتلال”. وصاح القائد الفلسطيني البدوي، ذو الجسم الضخم واللحية البيضاء المشذّبة، متعهداً “إطلاق سراح سجنائنا أولوية ومسألة وقت فقط”.
-برغم مقتل أكثر من 31 من كبار شخصيات وقادة حماس على مدى عامي الحرب، ومن بينهم رئيس شرطتها محمد صلاح ونائبه، وسامي عودة قائد “الأمن العام”، ووزير الداخلية محمود مرزوق، وكذلك رئيس وحدة ‘سهم’ المكلّفة بملاحقة المتعاونين، فضلاً عن سقوط أكثر من 700 شرطي مدرّب، استطاع أبو نعيم ورفاقه من القيادات الناجية الحفاظ “بشكل مذهل” علي تماسك الآلية الأمنية في غزة، والتي كان يُقدّر عدد منتسبيها بحوالي 10 آلاف شخص قبل 7 أكتوبر.
-بخلاف علاقته القديمة مع مصر، “يحظى أبو نعيم برضا كل من قطر وتركيا”، وسيتم استدعاؤه مع غيره من القيادات المتبقية من الجناح العسكري، للمشاركة في تشكيل “خريطة غزة بعد الحرب”. “وبفضل خبرته السياسية الأكبر من رؤساء الجناح، عز الدين الحداد، ورعد سعد”، من المتوقّع جدا أن “يبرز توفيق أبو نعيم كشخصية محورية تمسك بالخيوط وراء الكواليس”، وأن يصبح فعليًا “الحاكم غير المتوّج” للقطاع، حتى لو تم إنشاء لجنة إدارية تكنوقراطية “تدير شؤون الحكم نظريًا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى