مازاغان المدينة التي عبرت المحيط

بقلم:  سعيد بلمبخوت
    الجديدة أو مازغان مدينة عريقة على شاطئ المحيط الأطلسي بالمملكة المغربية، سبق لها أن حملت عدة أسماء عبر التاريخ. أطلقعليها الرومان “روزيبيس”. تم احتلالها من قبل البرتغاليين في القرن السادس عشر، وقد أطلقوا عليها اسم “مازاكان” سنة 1506 م. عمّرها البرتغاليون لمدة 267 سنة تقريبا .. فتمكن جيش السلطان سيدي محمد بن عبد الله من تحريرها سنة 1769م وذلك بعد حصار طويل. ثم إبرام اتفاق مع السلطان محمد بن عبد الله على مغادرة المدينة بشرط أن لا يتعرضوا للهجوم عند مغادرتها. لكن بالرغم من ذلك لم يخرج البرتغاليون إلا بعد أن وضعوا كمينا، حيث  انفجرت المدينة بعد أن دخل إليها جنود التحرير، وفي تلك الساعة كان جل سكان المدينة على البواخر في مياه المحيط.. وهكذا أطلق عليها اسم “المهدومة”، إلى أن أمر السلطان مولاي عبد الرحمان بترميمها وإعادة بناء هذه المدينة سنة 1832م ، فسميت بمدينة “البريجة” ثم سميت بعد ذلك باسم الجديدة. وسميت مرة أخرى إبان الحماية الفرنسية بمدينة  مازاكان”. وكان الجنرال ليوطي يصفها “دوفيل المغرب”. وبعد الاستقلال تستعيد المدينة اسمها” الجديدة”. .فتم تصنيفها سنة 2004 من طرف منظمة اليونسكو العالمية كتراث عالمي .
الحي البرتغالي :
    بين الأسوار العالية المنيعة على شاطئ المحيط الأطلسي، تبدو مدينة جميلة، موقعها عبارة عن شبه جزيرة. مناخها يتصف بالاعتدال .. الحرارة معتدلة في الصيف والربيع، والدفئ في الخريف والشتاء … داخل هذا الفضاء توجد تحفة معمارية خلفها الإستعمار البرتغالي عبارة عن منازل وكنائس وأزقة تحمل طابع القرون الماضية … ظل للبرتغال ارتباط روحي بهذه المدينة، وقد نقلوا إليها معالم الهندسة البرتغالية،كما تمت المبالغة في تحصينها … لقد فضلوا الموت داخل المدينة بدل الخروج منها، حيث إنهم تخلوا على باقي الثغور ليتشبثوا بمدينة مازاكان. فعلى فترات دامت 267 سنة، عاشت المدينة مراحل   متميزة وفريدة
من خلال المعالم والبيانات الدينية يستنتج الباحث أن روح التعايش الطويل كانت  حاضرة بين الأديان: الإسلام والمسيحية واليهودية في تلك الرقعة بين الأسوار.. تجد هناك المساجد الإسلامية بالقرب من الكنائس البرتغالية والإسبانية والفرنسية إلى جانب المعابد اليهودية
وتعتبر “المسقاة” إحدى أهم المعالم التاريخية والسياحية بالمدينة، وتوجد في مركز الحي البرتغالي. كانت عبارة عن ملجأ، احتمى به البرتغاليون الأوائل الذين قدموا إلى المدينة سنة 1502م، وتحيط بالمسقاة ثلاث قاعات، بدعامات في زوايا ألأبراج الدائرية الأربعة التي تؤدي إلى قاعات متعددة. ومن أهم تلك القاعات ما يعرف حاليا بالمسقاة التي هي عبارة عن قاعة تحت أرضية بدعامة 25 سارية من الحجارة، والسقف مشكل من قباب من الحجارة والأجر
ومن المؤكد أنها تحولت سنة 1541م إلى مسقاة … وقد استعمل البرتغاليون هذه المسقاة في فترة الحصار كمكان لتجميع مياه الأمطار التي كانت تستعمل للشرب .
المسقاة البرتغالية :
    ولاكتشاف المسقاة حكاية : في مطلع القرن الماضي، من أجل توسيع دكانه قام أحد التجار اليهود بهدم الجدار الخلفي للدكان، فتدفقت مياه كثيرة مندفعة بقوة فغمرت أحياء الحي البرتغالي، حيث تم الاعتقاد في أول وهلةً أن البحر يهجم على دكانه وعلى كل الحي. فتم اكتشاف حينئذ بأن الماء كان يتدفق من المسقاة، التي كانت لا تزال بداخلها بقايا الأسلحة والذخائر المدفعية .
    لقد انبهر المخرج السينمائي البريطاني الشهير “أورسن ويلز” بروعة الفضاء داخل المسقاة البرتغالية، فعمل على تصوير مشاهد من رائعته الشكسبيرية بالأبيض والأسود داخل هذه المعلمة … كما انبهر كبار الفنانين التشكيليين العالميين بروعة هذا المكان، فجسدوه في  أعمالهم الفنية .
حكاية المدينة التي عبرت المحيط الأطلسي :
    لم يقتصر عشق المدينة على أهلها وزوارها، بل ظلت قبلة للأجانب .. استهوت البرتغاليين فاستوطنوا مازاغان، ولم يغادرونها إلا مكرهين … لم يتحمل السكان المزيد فظلوا يبحثون عن مخرج للأزمة الخانقة بمجموع ألفين من السكان اللاجئين وراء الحصن، فأضناهم الجوع والعطش … ولم يقدروا على مواجهة 120 ألفا من الجنود المغاربة الذين ظلوا يحاصرون المدينة … وبالتالي عبر البحر من حيث أتوا، سيتركون تلك المدينة العزيزة على نفوسهم … ولعل ذلك العشق هو الذي جعلهم يفكرون في محو كل أثارها بعد الرحيل … قاموا بتفجيرها على رأس المجاهدين لحظة الرحيل … لكن الأسوار المتينة والبنايات بالرغم من ذلك ظلت صامدة … وكانت الوجهة نحو مكان قد يكون أشبه بكثير للمدينة التي تركوها … مدينة مازاكان كانت تعبر آنذاك المحيط الأطلسي نحو أمريكا، إلى مازاغاو بالأمازونية … “المدينة التي عبرت البحر و يؤكد الباحث  لوران فيدال بأن الأبحاث لا تزال جارية لإجلاء الغموض حول تلك الأحداث  
وكانت تلك هي لبداية الرحلة بعد جمع كل السكان والثروات على المراكب للانتقال إلى مدينة مازاغاو … في تلك الفترة كانت البرتغال قد بدأت في احتلال الأمازوني … فبالإضافة إلى الأشخاص تم حمل جل الثروات ومنها الأشياء النفيسة والملفات والكتب والوراق الإدارية
في 11 مارس 1669، تم شحن 2092 شخصا، وهو عدد سكان مازكان آنذاك … ودامت تلك الرحلة مدة عامين. وبطريقة براكماتية، أحرقت الإدارة ما استطاعت حرقه ورمت المدافع في البحر. وتمت الرحلة على مرحلتين مع محطة استراحة لستة أشهر بلشبونة … وفي بليم كانت المحطة الثانية لمدة عدة سنوات لهؤلاء البحارة الدين أصابهم الإرهاق … وحينها أسسوا المدينة الجديدة” نوفا مزاكاو”، على مصب النهر الكبير … واليوم لا يزال السكان من أسلاف” المازغانيين” كل سنة في البرازيل، تقام في احتفالات “سان جاك”Sao Tiago” بتمثيل أسلافهم في الكرنفال السنوي لذكرى المواجهة بين (المورو) المغاربة في مدينة مازكان. ويذكر الدكتور أحمد بوشارب بخصوص العلاقات الاجتماعية بالهجرة المهمة للمغاربة نحو البرتغال.، و يقول “كانت المجاعة هي السبب، حيث قبلت دواوير بكاملها أن تقطع البحر من أجل العيش بالبرتغال”. كما قال الباحث مصطفى مشيش العلمي “بعكس الأوربيين كان البرتغاليولا ترددون في طلب الزواج من السكان المحليين .
    وبخصوص الروابط بين مازكان، مدينة الأحلام، وبين مازاكاو الحالية بالبرازيل فإنها منقطعة لحد الساعة، وكل ما يربط، هو هذا الإرث العالمي للإنسانية الذي لا يزال شاهدا، والذي عملت على تزكيته منظمة الأمم المتحدة. لقد تم تصنيف مدينة الجديدة”مازاغان” سنة 2004 كتراث عالمي، حيث اعتبر الحي البرتغالي كأحد المعالم التراثية الإنسانية التي يجب الحفاظ عليها، فإن المجتمع المدني بمدينة الجديدة ومازاكاو بالبرازيل مطالب بالبحث عن صيغة من شأنها أن تساعد على فتح باب المدينتين سعيا للتواصل بين الثقافتين .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رقصة وزير الشغل

    إنتشر مقطع فيديو يظهر من خلاله شخص يرقص على إيقاع موسيقى فلكلورية هوارية ...