24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسةمجرد رأي

مالية الأحزاب في المغرب : العلبة السوداء التي يجب فتحها قبل الانتخابات

بقلم : عزيز الدروش

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في المغرب، يفرض سؤال حارق نفسه على الرأي العام: لماذا لا تفتح النيابة العامة تحقيقاً شاملاً في مالية جميع الأحزاب السياسية دون استثناء؟ ولماذا لا يتم تقديم الحساب للشعب المغربي حول كيفية صرف الأموال العمومية التي تُمنح لهذه الأحزاب من ضرائب المواطنين؟
الحقيقة التي يعرفها الجميع ويتجنب الكثيرون قولها بصراحة هي أن مالية الأحزاب في المغرب تحولت إلى ما يشبه “العلبة السوداء”. يدخل المال العام إلى خزائن الأحزاب، ثم يختفي في شبكة معقدة من المصاريف الغامضة والقرارات غير الشفافة، دون أن يعرف المواطن كيف صُرف هذا المال، ومن استفاد منه، وهل استُعمل فعلاً في تأطير المواطنين وخدمة الديمقراطية أم في خدمة الزعامات والمصالح الخاصة.
إن المال الذي تحصل عليه الأحزاب ليس هبة من السماء، بل هو مال الشعب المغربي. مال الفلاح البسيط، والعامل، والموظف، وصاحب الدخل المحدود الذي يؤدي الضرائب. ولذلك فإن تحويل هذا المال إلى مجال للغموض أو العبث أو الاستفادة الشخصية هو خيانة للأمانة السياسية والأخلاقية.
في الدول التي تحترم نفسها، تخضع الأحزاب السياسية لرقابة مالية صارمة، لأن الحزب ليس ملكاً خاصاً لزعيم أو عائلة أو شبكة مصالح. الحزب مؤسسة عمومية في جوهرها لأنها تؤثر في القرار السياسي وفي مستقبل البلاد. أما حين تتحول الأحزاب إلى فضاءات مغلقة تتحكم فيها قلة قليلة، فإن النتيجة الطبيعية هي تفشي الفساد السياسي وشراء الذمم وإفساد الانتخابات.
وللأسف، أصبح من الأسرار المكشوفة في المغرب أن بعض الأحزاب تحولت إلى شركات سياسية تُدار بعقلية المقاولة، حيث تتحكم الزعامات في المال والقرارات والترشيحات، بينما يُقصى المناضلون الحقيقيون. وعندما يجتمع المال مع السلطة داخل الحزب، تتحول السياسة إلى تجارة مربحة، ويصبح المواطن مجرد رقم في موسم الانتخابات.
إن النيابة العامة اليوم أمام مسؤولية تاريخية. فتح تحقيق شامل في مالية الأحزاب قبل الانتخابات ليس استهدافاً لأي حزب، بل هو إنقاذ للحياة السياسية من الانهيار الأخلاقي. فالديمقراطية لا يمكن أن تقوم على أحزاب غامضة في تدبير المال، ولا يمكن أن تستعيد السياسة ثقة المواطنين إذا ظل الفساد محمياً بالصمت أو المجاملة.
من الضروري أن يعرف المغاربة بوضوح:
كيف تُصرف أموال الدعم العمومي للأحزاب
من يستفيد منها
وهل تُحترم القوانين المنظمة للتمويل السياسي
ومن هم المسؤولون عن أي اختلالات أو تجاوزات
وأي مسؤول حزبي يثبت تورطه في تبديد المال العام أو استعماله في غير ما خُصص له يجب أن يُقدَّم إلى العدالة مثل أي مواطن آخر. فلا قداسة في السياسة، ولا أحد فوق القانون.
ومن منظور ديني وأخلاقي، فإن المال العام في الإسلام أمانة عظيمة. وقد شدد القرآن الكريم على خطورة التلاعب بأموال الناس، قال تعالى:
“ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.”
والرسول صلى الله عليه وسلم حذر من خيانة الأمانة، لأن الظلم في المال العام لا يضر فرداً واحداً بل يضر المجتمع بأكمله. لذلك فإن من يتلاعب بمال الأحزاب الممول من أموال الشعب لا يرتكب فقط خطأ قانونياً، بل يرتكب جريمة أخلاقية ودينية في حق الأمة.
إن المغرب في حاجة اليوم إلى ثورة أخلاقية داخل العمل السياسي، تبدأ بالشفافية الكاملة في تدبير المال، وتنتهي بمحاسبة كل من حول السياسة إلى وسيلة للإثراء أو النفوذ أو شراء الولاءات.
فتح “العلبة السوداء” لمالية الأحزاب ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو واجب وطني إذا أردنا أن نستعيد ثقة المواطنين في السياسة وأن نبني ديمقراطية حقيقية تقوم على النزاهة والمحاسبة.
وقبل أن تطلب الأحزاب أصوات المغاربة في الانتخابات المقبلة، فإن أول امتحان لها أمام الشعب هو أن تكشف الحقيقة كاملة حول أموالها.
فالديمقراطية ليست فقط صناديق اقتراع، بل هي قبل كل شيء أخلاق وشفافية ومحاسبة.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

جمعة مباركة للجميع.
عزيز الدروش
محلل وفاعل سياسي.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى