أخبار دوليةالواجهة

ما بعد سونكو ..هل تستطيع السينغال حماية دولتها؟

زكريا نمر يكتب :
ما بعد سونكو .. هل تستطيع السينغال حماية دولتها؟

ما جرى في السينغال بعد إقالة عثمان سونكو لا يبدو مجرد خلاف داخل مؤسسة حكم، بل بداية انكشاف التناقض الحقيقي الذي حاولت السلطة الجديدة تأجيله منذ وصولها إلى الحكم. فاستقالة رئيس البرلمان مالك اندياي ليست حركة بروتوكولية ولا تعبيرا أخلاقيا معزولا، بل إعلان سياسي واضح بأن مركز القوة الحقيقي داخل النظام لا يزال يدور حول سونكو، لا حول الرئيس باسيرو ديوماي فاي.

المشكلة أن ديوماي وصل إلى الرئاسة عبر موجة شعبية صنعتها شخصية سونكو وخطابه الراديكالي ضد النخب التقليدية والهيمنة الفرنسية والفساد البنيوي داخل الدولة السنغالية. ولذلك فإن محاولة بناء سلطة مستقلة عن سونكو تبدو حتى الآن شبه مستحيلة. فالرجل لم يكن مجرد حليف انتخابي، بل هو المنتج السياسي الحقيقي للحظة الحالية، بينما يبدو ديوماي أقرب إلى واجهة دستورية لتوازنات أكبر منه.استقالة رئيس البرلمان تكشف أن الدولة السنغالية تعيش فعليا حالة ازدواج شرعية: شرعية رسمية يمثلها الرئيس، وشرعية شعبوية ثورية يمثلها سونكو. وهذه أخطر مرحلة يمكن أن تدخلها أي سلطة جديدة، لأن الصراع لا يكون بين معارضة وحكومة، بل داخل قلب المشروع نفسه. حين يصبح السؤال داخل النظام من يملك الولاء الحقيقي؟ الرئيس أم الزعيم الشعبي؟ فإن الأزمة تكون قد بدأت بالفعل.

الأكثر إثارة أن هذه الحادثة تعيد فضح هشاشة كثير من الأنظمة الإفريقية التي تقدم نفسها كجمهوريات حديثة بينما هي في العمق أنظمة ولاء شخصي. فالسياسيون لا يتحركون وفق المؤسسات بل وفق مراكز الجاذبية الشعبية. اليوم في السنغال يبدو واضحا أن جزءا كبيرا من النخبة الحاكمة لم يبايع الدولة بقدر ما بايع سونكو نفسه. وهذا خطر كبير على أي تجربة انتقال سياسي، لأن الدولة حين تُختزل في الأفراد تصبح كل مؤسسة قابلة للاهتزاز بمجرد تغير العلاقات الشخصية داخل السلطة.ومع ذلك، تبقى السنغال متقدمة أخلاقيا وسياسيا على كثير من دول المنطقة، ليس لأنها خالية من الصراع، بل لأنها ما تزال تسمح بوجود السياسة نفسها. في بلدان عديدة، خصوصا في الفضاء العربي والإفريقي الهش، اختفت فكرة الاستقالة السياسية تماما، وتحول المسؤول إلى موظف بقاء لا رجل موقف. الوزير هناك لا يغادر بسبب خلاف سياسي، بل يطرد فقط عندما يصبح عبئا على النظام. أما الاستقالة دفاعا عن قناعة أو وفاء لتحالف، فقد أصبحت سلوكا شبه منقرض.

وفي كثير من الأنظمة الإفريقية التي أرهقتها البيروقراطية الزبائنية، يتمسك السياسيون بالكراسي بطريقة تكشف أن المنصب لم يعد وظيفة عامة بل مورد نجاة شخصي. يمكن للمسؤول أن يغير خطابه وحلفاءه وحتى تاريخه السياسي، لكن فكرة التخلي الطوعي عن السلطة تبدو مستحيلة، لأن الدولة نفسها بُنيت على الخوف من الخروج من دائرة النفوذ. اللافت أن السنغال، رغم أزماتها، ما تزال تنتج نخبا تفهم أن السياسة ليست مجرد إدارة مصالح بل أيضا إدارة ولاءات وصراعات ورموز. بينما في دول أخرى تحولت السياسة إلى سوق صامتة للنجاة الفردية، حيث لا أحد يستقيل، لا أحد يعترف بالفشل، ولا أحد يدفع ثمن قراراته. لكن ما يحدث الآن في داكار يحمل أيضا إنذارا مبكرا. فإذا فشل ديوماي في بناء مركز سلطة مستقل، فإن حكمه قد يتحول تدريجيا إلى رئاسة بلا سيادة فعلية. وحين يصبح الرئيس محكوما برمز أكبر منه داخل معسكره نفسه، فإن الدولة تدخل مرحلة التوازنات الخطرة التي قد تنتهي إما بانقسام داخلي، أو بابتلاع المؤسسة لصالح الزعامة الشعبوية.

السنغال اليوم لا تواجه فقط أزمة من يحكم، بل أزمة تعريف السلطة نفسها: هل تُدار الدولة عبر المؤسسات، أم عبر الكاريزما السياسية؟ وهل انتصرت الديمقراطية فعلا، أم انتقل النفوذ فقط من نخبة قديمة إلى مركز شعبوي جديد يحمل الأدوات نفسها بوجوه مختلفة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى