الواجهةمجرد رأي

“ما بعد كسر أوسلو : نهاية متلازمة المظلة وإنبعات جيل الطوفان “

#بقلم : حاتم الشعبي ✍
——————————-///————————————

بلا شك أن معركة “طوفان الأقصى” ستُسجّل كإحدى المعارك الرمزية في تاريخ الكفاح المسلح الأممي من أجل الحرية، لدى الشعوب الواقعة تحت الاحتلال. وستظل قصصها الملحمية، التي لم تهدأ لحظة طوال عامين، محفورة في سجل الصمود والإباء إلى الأبد. قطعة جغرافية سهلية، معزولة عن العالم، باتت واجهته، وخضع العالم لشروطها ومطالبها، فكرّست وجودها بدماء أبنائها الطاهرة.
ورغم وضوح الصورة والأطراف والمسؤوليات، بل وحتى تجلي الإيمان بالله وبعض الغيب في توفيق المجاهدين، لا بدّ أن يظهر من يقف على الهامش، محاولًا يائسًا النيل من هذا الانتصار العظيم، كما سمّاه السيد نصر الله رحمه الله: “انتصار الدم على السيف”. يحاول البعض التقليل من قيمته ببكائيات أو روايات تُعفي الجلاد، بل وتمنحه حتى “الحق” في ارتكاب المجازر، في سابقة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا عبر منطق يوجّه السهام إلى الضحية، لا لشيء سوى أنه “تحليل أكاديمي” لمتلازمة ستوكهولم، أو كما سماها وزير الخارجية القطري السابق جاسم بن حمد: “المظلة” حيث تصبح هذه المظلة مركز الفهم والقرار، وتُختزل المصلحة في طاعة السيد وفقط وكان آخر هذه المحاولات ما صدر عن بعض الأصوات التي قالت: “الصفقة التي وافقت عليها المقاومة (حـ. مـ. ا س) بالأمس، كانت قد عُرضت عليها بشروط أفضل في مايو 2024، قبل اجتياح رفح، وقبل مقتل نحو 40 ألف مواطن غزاوي إضافي”. وكأن نتنياهو قد عرض الصفقة، ورفضتها حماس حبًّا في استمرار الحرب ، الأمر إذًا يتجاوز الجهل بالمعلومة إلى ظواهر نفسية وفكرية مركبة لا يمكن تجاهلها ومع ذلك، لا بأس من إبداء الرأي في المسألة ومحاولة تفكيكها ، . ففي السابع من أكتوبر، وما تلاه من أحداث، لا يمكن للإنسان العادي إلا أن يخرج بخلاصة مفادها أن “الصفقة السريعة” كانت ركنًا أساسيًا في العملية. وهذا يفسّر التركيز على “أسر أكبر عدد ممكن” من الجنود، لتقويض عنصر المبادرة لدى الكيان وإرغامه على التفاوض، وهو ما أعلنه أبو عبيدة صراحة في أول خطاب له.
لكن نتنياهو ماطل لمدة شهر ونصف، بدعم من بايدن، بحجة أن “الهدنة ستمكن حماس من إعادة تنظيم صفوفها”. ولم تُعقد الهدنة الأولى إلا يوم 24 نوفمبر 2023، باتفاق ينص على 4 أيام قابلة للتمديد مع استمرار التبادل، والذي قُسم إلى مرحلتين: المدنيين أولًا، ثم العسكريين. ومع ذلك، لم يلتزم الاحتلال، وتنصل من الاتفاق، بل ولم يعطي للوسطاء فرصة لرأب الاتفاق واستأنف الحرب.
أما بخصوص صفقة 6 مايو 2024، فالحقيقة أن حماس وافقت عليها، وأبلغ الشهيد هنية الوسطاء وتركيا بذلك فالذي رفض هو نتنياهو، بعد أن فخّخ الاتفاق برفضه بندَي: الانسحاب من غزة ووقف إطلاق النار. وكان الغطاء حينها هو قوله: “لن نوقف الحرب وخلفي أربع كتائب في رفح”. وبالفعل، في 15 مايو، أي بعد عشرة أيام، تم اجتياح رفح.
القول بأن البنود نفسها عُرضت في مايو ويونيو جهلٌ بلغة التفاوض، أو تجاهل متعمّد للفروق. صفقة 24 مايو تتحدث عن “هدوء”، واتفاق يناير كان يتحدث عن “وقف إطلاق النار”، بينما الصفقة الأخيرة تتحدث عن “نهاية الحرب”. طوال مسار التفاوض، كانت حماس تصرّ على بند واضح ينص على وقف العدوان، بينما كان الاحتلال يتهرب والنموذج الأوضح في ذلك هو موقف حزب الله بعد اتفاق على عجل ، يمكنني أن أسرد كل الذرائع التي استخدمها نتنياهو لإفشال الاتفاقات: من “تنظيم حماس لنفسها” إلى “محور موراج خط أحمر”… لكن لمن؟ وهل ذلك يفي بالغرض؟ وهل المسألة تقف عند حدود الجهل بالمعلومة فقط؟ أم أنها تتعلق بأبعاد أخرى مركبة ؟ والا كيف يُعقل أن يصف الصحفي جدعون ليفي من “هآرتس” يصف نتنياهو بمجرم حرب، ويصف الحرب بالإبادة، بينما يخرج شخص عربي ليهاجم المحكمة الجنائية الدولية دفاعًا عن بيبي وحق إسرائيل في ارتكاب المجازر؟ بل أكثر من ذلك تمّت إقالة كل من هاليفي (رئيس الأركان)، هاغاري، غالانت (وزير الحرب)، روني بار (رئيس الشاباك) واستقال غانتس وأيزنكوت من مجلس الحرب والقاسم المشترك بين كل هؤلاء كانوا يدفعون نحو صفقة أو “اليوم التالي للحرب” بل حتى الصراع بين زمير – المعيَّن للحرب – وسارة زوجة نتنياهو وابنه يائير، كان في جوهره حول ضغطه اتجاه “الصفقة” أيضا وهذا طبيعي، بالنسبة لشخص يرى نفسه مخلّص إسرائيل، وأعظم من الآباء المؤسسين أو في مكانتهم حتى لُقّب بالقيصر مستعد لفعل أي شيء لإنقاذ مساره السياسي، وأقرب وسيلة لذلك هي استمرار الحرب. والأعجب أن الأمر أصبح إجماعًا عالميًا، من بيرس مورغن إلى عائلات الأسرى الصهاينة، مرورًا ببايدن، الذي قال عنه الصحفي بوب وودوارد في كتابه The War:
‏“That son of a bitch, Bibi Netanyahu, he’s a bad guy. He’s a bad f**king guy! He doesn’t give a shit about Hamas. He gives a shit only about himself.”
بل وحتى ماثيو ميلر المتحدت باسم الخارجية السابق تحدت عن أن إسرائيل هي من كانت تُفشل الاتفاقات و أعضاء الوفد المفاوض الإسرائيلي نفسه عبرو عن دالك أيضا ، ثم ماذا بعد كل هذه الحقائق المعروفة للجميع يتم القفز عليها كليا ويحملون المقاومة المسؤولية في كل شيء لا لشئ سوى لحال لسان الشاعر التونسي جمال الصليعي قوله في إحدى أبيات قصيدته إبليس “ضاعت بلاد الشعب بين المفرنك والمأمرك والمطبّع والذليل بلا سبب.” لهذا، فإن طوفان الأقصى هو في جوهره تجلٍ لحركة إصلاح شاملة للعقل الإنساني، والعربي خصوصًا، الذي لا يزال عالقًا في موقع “الذليل بلا سبب”، أو تحت “متلازمة المظلة”، أو “متلازمة الغطاء”، التي تقوم على قناعة أن قوى العالم قدر محتوم، ولا خيار سوى الخضوع، أو في أحسن الأحوال الممانعة اللعب على التوازنات لتحقيق بعض الاستقرار والمكاسب أما القيم والمبادئ فإلى الهامش ” ووو مالي ومال القدس؟ يا أخي الرسول كان عنده وحي وهاجر مكة وأنا ما عنديش ”
فلو أردنا تحديد لحظة محورية لشرح هذا التحول، لما وجدنا أوضح من نكبة “أوسلو”، التي كانت نكبة سياسية وفكرية واجتماعية. شوهت مفهوم النصر، لدى الشعوب القابعة تحت الاحتلال ، فلم يعد يعني طرد المحتل وتحرير الأرض هو النص بل أصبح مجرد الظهور في المحافل الدولية، والحصول على فتات الطاولات الدبلوماسية والتقاط لبعض الصور عقب نهاية المؤتمرات هو النصر ولكي تصل إلى “ذلك المقام” ماعليك سوى التمسك بالمظلة الدولية والخضوع لها ( حتى لو أدى ذالك للتنسيق مع محتلك لقمع مقاومة شعبك ) ، التي تأثر بها بشدة جيل “أوسلو”، من النخب الفكرية والنخب السياسية في العالم العربي تأثرا شديدا وكمثال واضح على هذا الانحراف ” الاتهام السريالي” بوجود باتفاق سري بين السنوار وإسرائيل على السابع من أكتوبر لتدمير غزة وزعزعت الاستقرار أو مهاجمة الحوثي على حاملة الطائرات “إيزنهاور” وإعلان ذالك ، يتداول على لسان أكاديميين كبار أن الامر ليس قرارًا مستقلا بل نتيجة مؤامرة سرية ماسونية تقف خلفها ، لأنهم عاجزون عن الفهم و الاستيعاب دون الرجوع “للمظلة ” ، لهذا تجد فجيل ما قبل أوسلو تمسك بالمقاومة وبالاصول النظرية لمنهجية التحرير والقيم المؤطرة للحق ، أما جيل أوسلو فتأثر بهذه المركزية، وهو ما نراه مثلا في الاتفاق الظمني الوجداني لهذا الخط على سبيل المثال لنأخد مثلا شخصيات مثل منار السليمي (المغرب)، مايا القصوري (تونس)، محمد المحالي (الأردن)… رغم اختلاف مشاربهم وسياقاتهم وتكويناتهم الفكرية وإلا أنهم ينطلقون من نفس المنطق والمركزية ويتكلمون ويحاججون ويستدلون بنفس المنطق ويجمعون على إدانة المقاومة، وتقديم الأولوية للشأن الداخلي وغيره من الهراء على اختلاف رقعهم الجغرافية وخصوصية أقطارهم ولهذا جاء “طوفان الأقصى” كحتمية تصحيحية وإصلاحية على كل المستويات أهمها الاصلاح الجيلي فقد دفن بها جيل أوسلو، وأسس لجيل ونخبة جديدة، بوصلتها واضحة وطريقها سديد و تنطلق من مركزية جديدة تقول:
“إن للحرية بابًا، بكل يد مضرجة يُدق.”وأن “اللي بيقع من السما، بتلقطه الأرض.”

وأخير وبعد كل هذا، لا يسعنا إلا أن نذكّر أن هذا التحليل مبني على أقصى درجات حسن الظن بصدق النوايا والتجرد لمن يعبّرون عن رأيهم بصدق وأمانة علمية أما النسبة الأكبر فهي للمنافقين المؤدلجين والمثبّطين، والاشحة على الخير لا يستحق للتعاطي معهم سطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى