ما وراء “الجريمة المنظمة” بالمغرب: تواطؤ في مسارات التوزيع، وتخاذل في سياسات العلاج، وسموم تعبر الحدود برعاية صامتة

تتطلب مقاربة هذا الملف الشائك والخطير الخروج من النمطية الإعلامية التي تكتفي برصد “الحدث الجنائي” كواقعة معزولة، إلى تفكيك “البنية الشبكية” التي تصنع الجريمة وتغذيها، فالأمر لا يتعلق بمجرد انحراف سلوكي لشاب طائش، بل بوجود منظومة معقدة تبدأ من ثغرات الحدود وتمر عبر مسالك التوزيع، وصولاً إلى تواطؤ بعض جيوب المراقبة، وتنتهي بضعف الاستراتيجية العلاجية للدولة.
إن جغرافية ترويج المخدرات في المغرب تكشف عن شبكة لوجستيكية عالية التنظيم تتجاوز قدرات المروجين الصغار؛ فكيف يعقل أن تقطع أطنان “الشيرا” و”الكيف” مئات الكيلومترات من أقصى شمال المملكة لتخترق السدود القضائية ونقاط التفتيش وتستقر في أبعد القرايا والدواوير في عمق المغرب؟ وفي المقابل، تطرح مسألة تدفق الأقراص المهلوسة “القرقوبي” والمخدرات الصلبة كالكوكايين عبر الحدود البرية والبحرية والجوية تساؤلات حارقة حول كفاءة ومنظومة المراقبة الحدودية، مما يعني أننا أمام شبكات عابرة للقارات تمتلك من الإمكانيات والوسائل ما يتيح لها إغراق السوق الوطنية وتأمين مسارات آمنة لنقل وتوزيع هذه السموم حتى أصبحت تلامس أبواب المؤسسات التعليمية والمناطق القروية النائية.
ولا يمكن قراءة هذا الاختراق اللوجستيكي دون ملامسة الجانب المظلم المتعلق بـ”الارتشاء والتواطؤ”، إذ لا يمكن لهذه الشبكات أن تضمن استدامة نشاطها وتوسعها دون نسج علاقات نفوذ تعتمد على تقديم إتاوات وامتيازات لبعض العناصر الفاسدة في أجهزة إنفاذ القانون من أمن ودرك، وهو ما يشكل طعنة جهورية في ظهر المجهودات الوطنية لمحاربة الجريمة؛ فهذا التواطؤ هو الذي يمنح الحصانة للموزعين الكبار ويسهل حركة تنقل الشحنات عبر جهات المملكة، مما يحول الاتجار بالمواد المخدرة من مجرد جنحة محلية إلى جريمة منظمة تنخر الأجهزة والمجتمع معاً.
وفي المقابل، يثير الموقف السلبي للدولة تجاه ملف “علاج الإدمان” وعلامات الاستفهام الكبرى؛ فالعجز الملحوظ في إحداث مراكز استشفائية متخصصة وكافية لإعادة التأهيل، وغياب سياسة صحية عمومية تعتبر المدمن مريضاً يحتاج إلى إنقاذ بدلاً من اعتباره مجرد مجرم يستحق السجن، يوضح شكلاً من أشكال التخلي أو عدم الرغبة الفعلية في تجفيف منابع الطلب، وكأن استمرار حالة التخدير والغياب عن الوعي لدى فئات واسعة من الشباب يخدم أجندات معينة أو يخفف من ضغط المطالب الاجتماعية الأخرى، مما يجعل غياب الإرادة السياسية في العلاج شريكاً صامتاً في تفاقم الجنايات الخطيرة وحوادث قتل الأصول التي باتت تهز الأسر المغربية بشكل غير مسبوق.
وموازاة مع هذا التشخيص القاتم، فإن دق ناقوس الخطر حول هذه الاختراقات لا يعني بأي حال من الأحوال تبخيس الجهود التضحوية الشاملة، أو التشكيك في نزاهة وكفاءة المنظومة الأمنية برمتها؛ فسهام النقد لا تستهدف سوى الفئات المعزولة التي خانت القسم، في حين يظل المتن الأساسي لأجهزة الأمن الوطني والدرك الملكي سداً منيعاً في وجه مافيات التهريب الدولي والمحلي. وفي هذا الصدد، لا بد من التنويه بالعمليات النوعية والاستباقية المتواصلة التي تباشرها هذه العناصر بحس عالٍ من المسؤولية، والتي تفضي بشكل شبه يومي إلى إحباط محاولات تهريب أطنان من المخدرات بمختلف تلويناتها، وحجز قوارب مطاطية وزوارق سريعة وشاحنات مجهزة، فضلاً عن تفكيك شبكات دولية معقدة وتوقيف رؤوسها؛ وهي إنجازات ميدانية ملموسة تؤكد أن المعركة ضد هذه السموم تعتمد بالدرجة الأولى على يقظة وصمود شرفاء الواجب المهني الذين يواجهون كارتيلات الجريمة المنظمة بكل حزم لحماية أمن الوطن واستقراره.





