أخبار

محمد اوزين : الدعم العمومي بين تخليق الإعلام وهدر المال العام

محمد اوزين : الدعم العمومي بين تخليق الإعلام وهدر المال العام

أعاد سؤال كتابي وُجّه إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، عبر رئاسة مجلس النواب، النقاشَ إلى الواجهة حول واقع الدعم العمومي الموجَّه لقطاعي الصحافة والإنتاج السينمائي، في ظل تصاعد الانتقادات بشأن غياب الشفافية، وضعف الحكامة، وتراجع الأثر الثقافي والإعلامي لهذا الدعم على المجتمع.

الوثيقة البرلمانية، التي تقدّم بها النائب محمد اوزين، تضع الإصبع على اختلالات بنيوية باتت تثير قلق المهنيين والرأي العام، أبرزها تحوّل الدعم العمومي، في حالات متعددة، من آلية لتشجيع الإبداع وخدمة الصالح العام، إلى قناة لتمويل محتوى ضعيف القيمة، أو منصات تُتهم بترويج التفاهة والإثارة الفارغة، دون أثر ثقافي أو تربوي ملموس.

يثير السؤال البرلماني إشكالية استفادة مقاولات صحفية ومنصات رقمية من المال العام، رغم افتقارها لمعايير الجودة والمهنية، واحترام أخلاقيات المهنة وحقوق الصحافيين. ويطرح علامات استفهام حول مدى انسجام هذا الدعم مع الهدف الدستوري المتمثل في ضمان إعلام مهني، تعددي، ومسؤول.

كما يُسجَّل، حسب مضمون الوثيقة، غياب معايير واضحة وشفافة في الانتقاء، وضعف استقلالية لجان الدعم، فضلاً عن نقص آليات المراقبة البعدية التي تُمكّن من تقييم الأثر الحقيقي للأموال المصروفة، وربط المسؤولية بالمحاسبة كما ينص على ذلك الدستور.

في قطاع الإنتاج السينمائي، لا يختلف الوضع كثيرًا، إذ يتكرر، بحسب السؤال البرلماني، استفادة أعمال وُصفت بضعف المحتوى والقيمة الفنية من الدعم العمومي، في مقابل إقصاء طاقات إبداعية حقيقية، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى هذا الدعم، ومدى ارتباطه بالذوق العام، وبالإشعاع الثقافي، وبالأثر الجماهيري للأعمال المدعومة.

ويحذّر الطرح البرلماني من أن يتحول الدعم إلى مكافأة للرداءة بدل أن يكون رافعة للإبداع، ما يُفضي إلى تبديد المال العام، بدل استثماره في مشاريع ذات قيمة فنية وفكرية مستدامة.

انطلاقًا من الحق الدستوري في الولوج إلى المعلومة، يطالب السؤال الكتابي بالكشف عن لوائح المستفيدين من الدعم العمومي، وحجم المبالغ المرصودة، والمعايير المعتمدة في منحها، إضافة إلى نتائج المراقبة والتقييم والمحاسبة في حال تسجيل اختلالات.

كما يطرح تساؤلات سياسية مباشرة حول وجود إرادة حقيقية لإعادة هيكلة منظومة الدعم العمومي، وربطها الصارم بالجودة، والقيمة الثقافية، واحترام الذوق العام، بدل استمرار ما يعتبره البعض شكلاً من أشكال الريع المقنّع.

يفتح هذا النقاش من داخل المؤسسة التشريعية الباب أمام مراجعة شاملة لفلسفة الدعم العمومي، ليس فقط كآلية مالية، بل كخيار ثقافي وديمقراطي. فالدعم، حين يغيب عنه التقييم والمساءلة، يفقد مشروعيته، وحين يُربط بالجودة والاستحقاق، يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية لبناء إعلام وسينما يخدمان المجتمع، ويعكسان تطلعاته وقيمه.

ويبقى الرهان اليوم، كما تعكسه هذه المبادرة البرلمانية، هو الانتقال من منطق التوزيع إلى منطق الاستثمار الثقافي المسؤول، بما يحفظ المال العام، ويصون حق المواطن في إعلام وثقافة ذي جودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى