
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي في العصر الرقمي الحالي دوراً محورياً يتجاوز مجرد التواصل الاجتماعي ليصبح محركاً أساسياً من محركات الاقتصاد اليومي، ولها تأثير مباشر وعميق على تحديد أسعار المواد الاستهلاكية وتوجيه حركتها في الأسواق. تبدأ هذه المساهمة من قدرة المنصات الرقمية على إعادة تشكيل سلوك المستهلك وخلق أنماط طلب مفاجئة؛ فبمجرد انتشار “تريند” أو مقطع فيديو قصير يسلط الضوء على منتج معين أو يروج لوصفة غذائية محددة، يتضاعف الطلب عليه في غضون ساعات، مما يدفع التجار تلقائياً إلى رفع الأسعار استجابة لقانون العرض والطلب.
بالإضافة إلى ذلك، تحولت هذه المنصات إلى ساحات مفتوحة للإعلانات الموجهة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تدرس اهتمامات المستخدمين وتصنع لديهم رغبات استهلاكية مصطنعة، مما يزيد من تدفق الأموال نحو سلع معينة ويمنح الشركات مبرراً لرفع قيمتها السوقية مستغلة هذا الزحم الرقمي.
على الجانب الآخر، تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في تسعير السلع من خلال نشر المخاوف والشائعات المتعلقة بالأزمات الاقتصادية أو نقص الإمدادات. عندما يتداول المستخدمون أخباراً عن احتمال فقدان مادة أساسية كالسكر أو الزيت أو الوقود، ينشأ ما يُعرف بـ “الهلع الشرائي”، حيث يتهافت المستهلكون على تخزين تلك المواد، مما يخلق عجزاً مصطنعاً في الأسواق يستغله بعض التجار لرفع الأسعار بشكل جنوني. في المقابل، يمكن لهذه المنصات أن تلعب دوراً عكسياً في خفض الأسعار أو كبح جماح التضخم من خلال حملات المقاطعة الرقمية؛ حيث تتيح للمستهلكين تنظيم أنفسهم والاتفاق على مقاطعة منتج معين تضخمت قيمته، مما يجبر الشركات في النهاية على مراجعة سياساتها السعرية لإنقاذ حصتها السوقية.
أما بالنسبة لمدى عكس هذه المنصات للواقع المذاع والحقيقي، فإن الإجابة تميل غالباً نحو النفي، إذ إن ما يُشاع على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس الواقع الاقتصادي بدقة في كثير من الأحيان، بل يقدم صورة مشوهة ومضخمة. تخضع هذه المنصات لآليات “خوارزمية” تفضل الإثارة والتهويل على حساب الحقائق الهادئة، مما يعني أن المنشورات التي تتحدث عن الغلاء الفاحش أو الأزمات تحقق انتشاراً أوسع بآلاف المرات من التقارير الرسمية التي تعكس استقرار الأسواق. هذا الضخ الإعلامي المستمر يخلق فجوة عميقة بين “التضخم الفعلي” المقاس بالأرقام الرسمية، وبين “التضخم النفسي” الذي يشعر به المواطن بناءً على ما يقرأه في فضاء الإنترنت.
علاوة على ذلك، يبرز دور “المؤثرين” وصناع المحتوى كعامل تضليل إضافي، حيث يتلقى الكثير منهم أموالاً مقابل الترويج لمنتجات بأسعار مرتفعة والإيحاء بأنها ضرورة لا غنى عنها للحياة العصرية، مما يشوه القيمة الحقيقية للسلع ويدفع بأسعارها إلى مستويات غير منطقية. كما أن غياب الرقابة والفلترة يفسح المجال لانتشار الإشاعات حول سلاسل التوريد والإنتاج، وهي معلومات مضللة قد لا تمت للواقع بصلة لكنها كافية لإحداث ارتباك حقيقي في الأسواق المالية والتجارية. في النهاية، يمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بمثابة مرآة محدبة تضخم الأزمات وتصنع واقعاً اقتصادياً افتراضياً، يملك لشدة تأثيره القدرة على فرض نفسه كأمر واقع في حياة المستهلكين اليومية.





