
بقلم :عبد الله الجباري
/// /// ///
تفاعلا مع حراك شباب ما يسمى: جيل ز، وقّع ثلة من المثقفين والفاعلين الجمعويين والسياسيين والحقوقيين قبل أيام رسالة موجهة إلى جلالة الملك نصت على أهمية التحرك في العمق لمباشرة بعض الإصلاحات التي يظنون وفق اجتهادهم أنها السبيل إلى الإصلاح.
بمجرد نشر الرسالة وتداولها، باشر ثلة من المثقفين والفاعلين السياسيين والإعلاميين موجة الاستنكار أو الاستنكار الشديد على هذه المبادرة، وهم وإن اختلفوا في صياغة الاستنكار منطلقاته وأهدافه، إلا أن جميعهم اتفقوا على الكتابة من محبرة مثقفي القرون الوسطى بأوربا، حيث كان المثقفون خداما للملوك بطريقة سياسية لاهوتية متخلفة، تنظر إلى الملك باعتباره ممثل الله في الأرض، مع ما لهذا التمثل من قداسة تحول دون التعامل معه وفق النسبية البشرية.
أظن أن التنديد والاستنكار على الرسالة هو محاولة لصناعة القداسة للملك، وهذا ما يتعارض مع ما يتبناه الملك نفسه، لأنه في سياق المراجعة الدستورية 2011 صرح عبر مستشاره محمد معتصم بأنه لا يحبذ صيغة القدسية الواردة في الدستور السابق، وأن القدسية لله تعالى وحده.
لذلك، كان الإقدام على مراسلة الملك نقطة إيجابية تقطع مع الأعراف وتتماهى مع النص القانوني الأسمى، وهو الدستور.
غني عن البيان أن الأعراف المؤطرة لعمل المخزن تكبل العلاقة بين الملك والمواطن بقيود غير سائغة في عصرنا، ولعلها كانت سائغة في سياق سابق.
ومن الأعراف البروتوكولية المتوارثة عن أجدادنا، فإن المواطن/الرعية لا يراسل الملك، ولم نر من مراسلات المواطن إلى الملك إلا رسالة العلامة أبي علي اليوسي إلى السلطان إسماعيل العلوي، ومراسلة الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الحسن الثاني التي كلفته دخول مستشفى الأمراض العقلية، ومراسلة العقيد الهاشمي الطود إلى الحسن الثاني التي كلفته تجميد رتبته العسكرية بحيث صار جل أو كل تلاميذه أعلى رتبة منه، ومراسلة الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الملك محمد السادس التي أخرج عقبها من الإقامة الجبرية غير القانونية. وهكذا صارت المراسلة مع الملك مؤشرا على التقدم وإن كان طفيفا في بعض جزئياته، حيث أظهرت لنا بالملموس الانتقال من الإدخال إلى مستشفى الأمراض العقلية إلى الإخراج من الإقامة الجبرية.
بعد مراسلة الأستاذ ياسين، نقف اليوم مع مراسلة ثلة من المثقفين موجهة إلى الملك، دون أن يعقب هذه المراسلة أية اعتقالات أو استنطاقات، لكن، تلتها موجة من الاستنكارات، ليست صادرة لا عن وزارة الداخلية ولا عن الأمن الوطني، ولكنها صادرة عن فعاليات، وهنا نستذكر مقولة: ملكي أكثر من الملك، أو نستذكر مقولة العبد لا يقوى على الحرية.
إن مراسلة الملك ــ بالاحترام الواجب له باعتباره شخصية دستورية ذات مكانة استثنائية في الدولة ــ هي تمرين دستوري كنا في أمس الحاجة له ولأمثاله لنعمل على أجرأة نصوص الدستور بعيدا عن بروتوكول الأعراف.
إن تصدير دستور 2011 يستحضر السياق التاريخي للملكية ولعموم هياكل الدولة التي كانت غارقة في التقليدانية، لذلك ركز على أن المملكة المغربية وفية “لاختيارها الذي لا رجعة فيه في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة”،
إن هذا النص الذي يفتتح به الدستور غني بالدلالات التي لم تلتقطها النخبة المغربية طيلة عقد ونيف من الزمن، فبناء الدولة الديمقراطية بسيادة الحق والقانون يقتضي لزوما القطع مع خيار الدولة التي تسودها الأعراف والبروتوكول، لذلك كانت مراسلة الملك من قبل هؤلاء محاولة لإحداث القطيعة مع هذا الخيار البالي العتيق، وطفرة في بناء دولة الحق والقانون.
نعم، يحق للمثقفين الآخرين استنكار إقدام نظرائهم على المراسلة، لكن، يجب عليهم الاستدلال بالقانون، فما هو النص القانوني الذي يمنع من مراسلة الملك ويجرمها؟
هنا نحن أمام خيارين:
إما هناك وجود نص مانع، وبالتالي فاستنكارهم يؤسس لدولة الحق والقانون.
وإما لا يوجد نص مانع، واستنكارهم يسهم في تطويل أمد دولة الأعراف والبروتوكول.
وغني عن البيان أنهم غارقون في الاحتمال الثاني، وبالتالي، هم لا غيرهم يصطفون مع الجهة المارقة عن الدستور المتنكبة عنه، فيما يظنون أنهم يدافعون عن الملكية والدولة، كما كان يظن مثقفو القرون الوسطى بأوربا.
والنص الدستوري السابق يسترسل ويقول بأن المملكة “تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة”، ومن يراسل الملك يتعامل مع جلالته وفق أدبيات الدولة الحديثة، ومن يستنكر مراسلة الملك يتعامل وفق أدبيات الدولة العتيقة البالية المتخلفة، وهو بذلك الاستنكار يضع نفسه في الضفة المقابلة للدستور وليس مع بناة دولة الدستور.
من هنا، تتبين لنا الجهة المتبنية للدستور المطبقة لبنوده، والجهة المارقة عن الدستور المدافعة المائلة عن نصوصه وروحه.
وبالعودة إلى الدستور نفسه، فإنه ينص في مواده على مبدأ المساواة بين المواطنين، ويكفي أن نورد ما ورد في تصديره، حيث يقول بأن المجتمع المغربي “يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم في إطار التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”.
إذن، نحن أمام مبادئ دستورية، منها:
المساواة
تكافؤ الفرص
العدالة الاجتماعية
مقومات العيش الكريم
التلازم بين الحقوق وواجبات المواطنة.
وأي خرق منهجي ومؤسسي لهذه المبادئ هو خرق للدستور، وإذا وقع خرق للدستور، فإن المثقف المتبني للدستور لا يراسل في شأن ذلك ولا يخاطب الحكومة، وإنما يخاطب الملك، لأنه ــ كما ينص الفصل 42 من الدستور ــ هو الذي “يسهر على احترام الدستور”، وهو الذي يسهر على صيانة “حقوق وحريات المواطنين والمواطنات”.
وهنا أحيط المثقفين الكرام إلى ضرورة مراسلة الملك مراسلة أخرى، لأنه من الرائج والمتداول أن منتسبي العدل والإحسان والنهج الديمقراطي وبعض منتسبي العدالة والتنمية ممنوعون عمليا وغير قانونيا من التوظيف في أسلاك الوظيفة العمومية، وهذا الإقصاء حوله مؤشرات عديدة لما يفوق العشر سنوات، وسبق للدولة أن أقدمت على إعفاء مجموعة من الأطر من العدل والإحسان والعدالة والتنمية من مهامها الوظيفية.
وهنا نحتاج إلى الآتي:
فتح تحقيق جدي ونزيه ومعمق في هذا الأمر.
وإذا ثبتت صحة ما يروج، وجب ترتيب الجزاءات القانونية على ذلك.
لكن، إذا كان هذا الإقصاء من فعل الحكومة والسلطة التنفيذية، فهل يعقل أن يراسل المثقفون الحكومة نفسها في هذا الأمر.
وبالمناسبة، فقد سبق لأحد البرلمانين أن طرح سؤالا في هذا الموضوع على الحكومة، وما أظن أن برلمانيا يقدم على طرح سؤاله إن لم تتأكد عنده بعض الحالات.
إذن، نقول، إذا ثبت ما يروج، فإن هذا الفعل يعد خرقا للدستور في مبادئه وروحه وليس في مواده فحسب، ومبادئه المشار إليها هي المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وبما أن الملك هو الساهر دستوريا على احترام الدستور نصا وروحا، فإن المثقفين ونخبة المجتمع مطالبة بمراسلة الملك في هذا الموضوع أيضا، حتى يحول جلالته دون خرق الدستور في حق مواطني هذا البلد، مع ما ألمحنا إليه أعلاه من كون مراسلة الملك لا تتنافى مع الاحترام الواجب له أولا، ولا تتنافى مع بناء “الدولة الحديثة” المنصوص عليها دستوريا، وأن مستنكري التراسل مع الملك يشبهون مثقفي عصور الظلام في أوربا، وهم الذين كنسهم مثقفو الأنوار كنسا، وانمحوا من الوجود في البيئة الأوربية إلى غير رجعة.
وبما أن القضايا الشائكة التي خرج الشباب للمطالبة بها ذات صلة بالتعليم، وبما أن الدستور ينص على ضرورة استفادة المواطنين من “الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة”، فإن المثقفين رأوا أن تعليما غير جيد هو مخالفة دستورية، وبما أن الساهر على احترام الدستور هو الملك، وبما أن الحكومة وهي على مشارف نهاية ولايتها عاجزة عن فعل شيء ذي بال في هذا المجال، فإن مراسلة الملك صارت هي الحل الدستوري الأنجع.
وبما أن القضايا التي أخرجت الشباب للاحتجاج ذات صلة بالصحة، وبما أن الدستور ينص على ضرورة استفادة المواطنين على قدم المساواة من الحق في العلاج والعناية الصحية [الفصل 31]، من هنا يتبين أن عدم استفادة المواطنين بعد 14 سنة من عمر الدستور من هذا الحق يعد خرقا للدستور، وبما أن الملك وليس الحكومة هو الذي يسهر على احترام الدستور نصا وروحا، فإن المثقفين راسلوه، على اعتبار أن مراسلة الحكومة ــ بناء على ظروفها ومكوناتها وعمرها ــ يعد نوعا من العبث.
وفي إطار الدولة الحديثة، وفي إطار الحداثة المتبناة من الدولة، يسرني أن أقرأ ذات يوم رسالة جوابية من الملك على مراسلة المثقفين المشار إليها، حيث يشير إليها سواء في رسالة كتابية أو في خطاب، مع ما تحمله الرسالة الجوابية من دلالات رمزية وعملية، منها التفاعل مع مطالب الشعب وعدم وجود الفجوة بين القمة والقاعدة، وأنا متأكد أن مستنكري رسالة المثقفين اليوم سيبتهجون برد الملك غدا وسيمدحونه وسيطيرون به فرحا وسينظمون فيه من القصائد ما لا يخطر لهم على بال.





