مرثية لسعيد عاهد: الإنسان الرقيق والطفل الكبير

عدنان مشهي
سأفتتح هذه المرثية إلى روح المبدع سعيد عاهد، منذ ذلك اليوم الذي أرسلت له فيه دعوة حضور حفل توقيع ديواني “كي لا تبكي” وقد أجاب ببساطة ودفء، كما لو كانت كلماته شرفة نور تطل على الروح: “سأكون حاضرًا بالطبع”. لم يكن حضوره مجرد جسد يتحرك بين المقاعد، بل كان حضور قلب نابض، وروح تشع دفئا، ونورا يتسلل إلى القلوب، ليترك أثره في كل لحظة وكل نفس تصادفه.
كان سعيد عاهد الإنسان الرقيق، الطفل الكبير، الذي احتفظ بعذوبة النظر وصفاء الروح، رغم ثقل العالم ومشاغله. مزيج فريد من البراءة والوعي، من النبض الطفولي والعمق الفكري، من الإعلامي البديع إلى الشاعر الغامر في عمق الكلمات، ومن المترجم الشجي إلى الصديق الذي يعرف كيف يزرع الفرح في النفوس.
قيمته الأدبية لا تقاس بالكلمات، وقيمه الإنسانية لا تحصى. شهاداته في الأنشطة الثقافية كانت ترنيمة حضور، وكاريزما وسحرا يجذب القلوب. ضحكه كان شفاء، وصمته يحاور العقول، وكلماته ترتب ما في النفس من إحساس وجمال.
هل رحل هذا النبض الطفولي، الإعلامي البديع، الشاعر العميق، المترجم الشجي؟ لا، لم يرحل. غاب جسده عن مرأى العيون، لكنه بقي حيا في كل نص، في كل فكرة، في كل كلمة كتبها أو فكر فيها. نصوصه الشعرية، العميقة والمضيئة، تدخل الروح قبل العين، وتترك أثرا خالدا لا يمحى.
لقد رحل سعيد عاهد عن عالمنا، لكن روحه باقية، رقيقة كنسمة الصباح، قوية كالضوء الذي يخترق العتمة، متوهجة كالكلمة التي لا تموت، صافية كينبوع يخترق صخور الحياة ليسقي القلوب. حضوره بيننا لا يحتاج إلى عين ترى، بل إلى قلب يشعر، وإبداع يستنير.
نقرأ في رحيله درسا عميقا وهو أن الإبداع حياة لا تموت، وأن الحب للكلمة وللآخرين هو الخلود الحقيقي. لن يختفي سعيد عاهد من ذاكرتنا، ولن تمحى كلماته من مساحات أرواحنا. غاب جسده، لكنه سيظل خالدا في حضور النصوص، في صدى الضحك الذي تركه، وفي دفء الذكريات التي زرعها فينا.
رحيله ليس نهاية، بل بداية حضور آخر ، حضور الروح، حضور الإبداع، حضور الطفل الكبير الذي لا يشيخ أبدا، الذي يظل يزرع فينا نور الأمل، وعذوبة الحب، وسحر الكلمة التي لا تموت.
يا من أحب الكلمة، ويا من عرف معنى الإنسان، تذكروا أن سعيد عاهد باق ، في كل نص يقرأ، في كل قلب يشعر، في كل لحظة يلهمنا فيها الحب والجمال. رحل جسده، لكن روحه متوهجة، حضوره خالد، وكلماته باقية، تصنع من عالمنا مكانا أكثر دفئا، أكثر نقاء، وأكثر إنسانية.
رحم الله سعيد عاهد، وأسكنه فسيح جناته، وخلد إرثه بيننا إلى الأبد، في كل نص، وكل لحظة، وكل قلب أحب الكلمة والإنسانية، وكل روح عرفت معنى الجمال والحب والصدق.





