
في صمتٍ لا يسمعه سوى جدران المستشفيات المتشققة، يواصل آلاف المغاربة معركتهم اليومية مع المرض، والفقر، والتهميش. مشاهد مأساوية تتكرر في أروقة مستشفيات المملكة، حيث يتحول المواطن المغربي، لا سيما في حالات الإصابة بأمراض خطيرة كـ السرطان، إلى مجرد رقم في قائمة انتظار قد تمتد إلى أشهر، بل وأحيانًا إلى سنة أو سنتين، من أجل موعد بسيط مع طبيب أو جلسة علاج.
مرضى السرطان.. رحلة العلاج تبدأ بالنوم في الشارع
في الرباط والدار البيضاء ووجدة..إلخ، حيث تتركز المراكز الاستشفائية الكبرى، تصطفّ يوميًا عشرات الأسر القادمة من أقصى جنوب المغرب – من طانطان والعيون وكلميم – في مداخل المستشفيات، محمّلة بالأمل والدموع. لا يتوفر لهم مأوى، ولا دعم نفسي، ولا مساعدة اجتماعية. فتراهم يفترشون الأرصفة، وينامون تحت الجسور وفي الأزقة القريبة من مستشفيات الأنكولوجيا (السرطان)، فقط من أجل محاولة لقاء طبيب أو الخضوع لجلسة علاج كيماوي قد تكون منعدمة أو مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
التقيت، رجلا قادما من الصحراء جنوب المغرب مصابا بالسرطان، ينام جنب رصيف مستشفى ابن رشد جناح السرطان يقول وهو يحاول كبح دموعه :
“جئت من العيون قبل 4 أيام، احتاج لعلاج كيماوي عاجل، لكن لا يوجد موعد، قالوا لي انتظر، ربما بعد شهرين. أين نذهب؟ نحن ننام في الشارع…”
من يموت على الأبواب.. ومن تلد على الأرصفة
ليست معاناة مرضى السرطان هي الوحيدة، فقد أصبحت الأخبار حول وفاة مرضى على أبواب المستشفيات أو نساء يلدن في الشوارع مشاهد متكررة تصدم الرأي العام دون أن تحرك الجهات المعنية ساكنًا؛ السبب؟ قلة الأطر الطبية، ضعف البنية التحتية، نقص الأجهزة، وانعدام المسؤولية..
يؤكد عدد من الممرضين والأطباء أن الوضع كارثي في عدة مستشفيات، خاصة في المدن الصغيرة والمناطق القروية، حيث لا تتوفر بعض المستشفيات سوى على طبيب عام واحد، وأحيانًا لا يتوفر الطبيب أصلاً.
الميزانية.. ملاعب بمليارات الدراهم، ومستشفيات تحتضر..
ما يزيد من غضب المواطنين، هو التناقض الصارخ بين الاستثمارات الضخمة في الملاعب الرياضية والمشاريع التجميلية، وبين التهميش المزمن لقطاع الصحة، ففي الوقت الذي يتم الإعلان عن تدشين ملاعب بمليارات الدراهم استعدادًا لبطولات قارية أو عالمية، لا تزال مستشفيات المغرب تعاني من نقص في الأسرة، وغياب في الأدوية، وافتقار للتجهيزات الأساسية.
يتساءل المواطن المغربي البسيط:
“كيف لدولة أن تصرف الملايير على ملاعب كرة القدم، بينما يموت أبناؤها في طوابير الانتظار؟ كيف يُعقل أن يُترك مريض السرطان، وهو بين الحياة والموت، ينتظر عامًا أو أكثر لبدء العلاج؟”
أين هي الحكومة؟ أين وزارة الصحة؟
أمام هذا الواقع، تزداد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة والبرلمان ووزارة الصحة، التي تبدو عاجزة أو غير مهتمة بإيجاد حلول جذرية لهذا “النزيف الصحي”، وبينما يعيش المسؤولون حياة الرفاهية، ويتعالجون في مستشفيات باريس ونيويورك وغيرها.. يتألم المواطن المغربي بصمت، ويتجرع المرض والفقر في مستشفيات محلية لا ترقى حتى لمستوى مستوصف في دولة متوسطة الدخل.
هل حان الوقت لتدخل دولي؟
في ظل هذا الوضع المأساوي، يطرح البعض سؤالًا جريئًا:
“هل يجب أن تتدخل منظمات حقوق الإنسان ومنظمات الصحة العالمية لإيقاف هذا الانهيار الصحي؟”
فالصحة حق من حقوق الإنسان الأساسية، والمغرب دولة وقّعت على اتفاقيات دولية تضمن هذا الحق، لكن الواقع الميداني يُظهر أن هذا الحق يُنتهك يوميًا في المستشفيات العمومية.
ما يحدث في مستشفيات المغرب ليس مجرد أزمة موارد، بل هو أزمة ضمير، وأزمة اختيارات سياسية؛ المواطن المغربي لا يطلب المعجزات، بل فقط الحق في العلاج، والكرامة، والأمل. فهل من مجيب؟





