مسرحية ” عودة يطو” تكسر جدار الصمت بالمهرجان الوطني للموندراما بالجديدة.

بقلم: عبد الرحيم مفكير
=========
عرف مسرح عفيفي بالجديدة انطلاق أعمال مهرجان البريجة الوطني للمونودراما بمسرح عفيفي بمدينة الجديدة، الجمعة 12 دجنبر، تحت شعار” المونودراما انعكاس الذات على خشبة المسرح” ، من تنظيم جمعية القناع الأزرق للمسرح والثقافة بالجديدة وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل قطاع الثقافة وبتعاون مع المديرية الإقليمية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل بالجديدة وسيدي بنور، ذلك بمشاركة ثلة من الفنانين والباحثين والمبدعين من مختلف ربوع المغرب. وقد تم تكريم كل من الفنان عبد المجيد فنيش والفنان شاكر عبد العزيز، اعترافًا بما قدماه من إسهامات بارزة في تطوير المسرح المغربي وترسيخ ثقافة الأداء المنفرد. كما قامت الجمعية المنظمة بالتفاتة طيبة وتكريم لأحد رواد مسرح الهواة الحاج عبد الحكيم بن سينا.
وكان الجمهور على موعد مع عرض مسرحي حمل عنوان ” عودة يطو”
جسد المونودراما في أبهى تجلياتها،
والمونودراما فن مسرحي يعتمد على ممثل واحد يقدم عرضاً كاملاً، وتختلف عن ” المونولوج ” ” حديث النفس”، وهي من أشكال المسرح التجريبي الذي يركز على الشخصية وعمقها النفسي ويُبرز الصراع الداخلي للإنسان مع ذاته أو المجتمع أو الظروف المحيطة. وتتميز بالصراع الذي غالباً ما يتناول صراعات نفسية عميقة أو أزمات وجودية للشخصية، مما يجعلها مناسبة للتعبير عن قضايا متعددة، ويتطلب الأداء مهارات عالية من الممثل في الإلقاء، والحركة، وتغيير النبرات الصوتية ليحافظ على انتباه الجمهور. وهو أسلوب يركز على الذات ويغوص في أعماق النفس البشرية ليكشف عن دواخلها وتناقضاتها.
بمسرح الحي البرتغالي تمتع الجمهور بنص ” عودة يطو” وهو من تأليف الروائية والإعلامية، بديعة الراضي، فيما قام بالإخراج والدراماتورجيا محمد الزيات، وتشخيص سعيد غزالة، استثمر المخرج فضاء الركح، واستخدم ديكورا بسيطا، يحيل على خيام متنقلة، تحيل إلى الصحراء، وتشبه خيام الهنود الحمر الذي اضطهدوا من طرف الرجل الأبيض المستبد والمستعمر، الذي سعى للإحلال بأرض ليست أرضه، وعمل على محو هوية أمة وحضارة لمن سموا بالهنود الحمر وهم السكان الأصليون لتلك البلاد. وبعد أن تم تكسير الجدار الرابع شد الجمهور صورة ليطو وهي تحاول أن تنفك من أسر …. وهو ما حاكاه الممثل سعيد وأرخي ستار أبيض يمثل السراب، مما جعل المتتبع يحس أنه أمام نص ينتمي لمدرسة العبث.
في انتظار يطو:
يشدك الحكي المسترسل عبر لغة عربية، مزجت بين الفصحى والدارجة القريبة منها، للبحث عن مفقودة السارد، إنها ” يطو” التي لا نعرف إلا عشقه لها، وهيامه بها. لكنها بعيدة، والبحث عنها جار بدون توقف وفي كل الاتجاهات بدءا من الركح، ونزولا عند الجمهور، ويذكرنا هذا التيه بمسرحية ” في انتظار جودو” لصموئيل بيكيت، والتي تدور حول شخصيتين، فلاديمير وإستراغون، ينتظران شخصًا يُدعى «غودو» عند طريق ريفي، لكنه لا يأتي أبداً، وتتخلل انتظارهما أحاديث عبثية ومقابلات لشخصيات أخرى مثل «بوزو» و«لاكي»، وتكشف المسرحية عن موضوعات وجودية عميقة مثل عبثية الحياة، فقدان المعنى، والبحث عن الخلاص، حيث يمثل غودو الأمل الوهمي الذي لا يتحقق، مما يعكس قلق الإنسان الوجودي.
وتمثل ” يوطو” للبطل الانعتاق من الأسر، والأمل في ارتباط الإنسان بأرضه، فتكون ” يطو” تارة أرض الأجداد، وتارة الهوية، وتارة القيم، وتارة المنجية من التيه والضلال،
وتارة يحل فيها البطل، بالمعنى الصوفي فهي هو، وهو هي، جسد لشخصين وروح لهما لا ينفصلان… بلغة دالة يصدح البطل ” يطو” سر وحدتي، سر وجودي، نور ونار، ليل ونهار يطول أكبر من وصف إحساس، أنا ابن البيد، ” تعني الصحراء”، وسليل الرياح، وما تدري ما أكون الصباح، ودمي يغلي …. “يطو” التي لن تأتي تمثل الهوية والحرية، هويتي حريتي، يطو كاملة الأوصاف، ووجه، وجه القضية، وقطعة السكر. وهج السؤال، ” يطو”
لم تمت تتجول في الخيام القديمة.
يطو والبعد الإنساني:
تجسد يطو المشترك الإنساني بالرغم من الحيرة وألم البحث، وحيرة الباحث، فيطو تسكن في الديار القديمة حيث الفطرة السليمة، لم تفقدها المدنية طهرها، يسرد الحاكي : رفرفت حول الطريق تنظر
قطعة حلوى، أو علبة ألوان، زائر أهداها الموت، وفر، تسكن في القريب، تعشق لون الحناء
في صدر حبيبتي، زغردي يا نساء الجنوب، ويا نساء الشرق. هنا تتمثل لنا ” يطو ” الصحراء، وأيضا أرض فلسطين، التي ترفض الاغتصاب، وفض عذريتها، تلفظ الغريب، جاء الحاكي كالبدر في الظلام، كالشمس، جاء من أجل صلب القضية، يعشق الحناء ويتذكر أناملها البهية، عشق الحناء، وهو يندس في صدر حبيبته
ويتساءل مرة أخرى أين ذهبت؟ هل أكلتها الذئاب،؟ ويتمرد على الغرباء والطغاة الذين يفرقون بين خراف القبيلة وأسيادها.. يطو طيفها يحضر عند الممثل، يتساءل عن سر اختفائها، يطو الهوية، بالقيم النبيلة، الوفاء للمبادئ الإنسانية، حيث يظل بطل المسرحية عالقاً في أواصر الدفاع عن قناعاته الراسخة وإيمانه القوي، فيما الشخصية الغائبة التي يبحث عنها تمثل الأصل والمركز، ومن خلالها، تطرح المسرحية تساؤلات تتجاوز الفرد لتلامس قضايا كونية وموضوعية، محفزة، بقوة سيكلوجية، على إعادة النظر في الإنسان باعتباره جوهراً أصيلاً وحيويا.
البطل والشعور بالضياع والغربة:
كل النثر والشعر الذي يحكيه البطل، يجسد حالة من الهوس والتساؤلات التي لا إجابة لها، صراع مع الذات، وشعور بالضياع.يحمل فستانها وملابس أخرى يبحث عن كل ما يذكره بها، يرتعش جسده
يرتدي قماشا، المعطف يخنقه، لا يقوى الجسد النحيف على حمله
المعطف أزراره غريبة، يهتف : اتركني عاريا إلا من آني
كلوحة … ترفضه أيادي المارة …
نعم يا بهية العصية، لقد ولدنا من نكاح طفولة …
زغردي يا بهية فالشرق يتألم
واحمليني كما حملت” يطو ” إلى هناك، حيث ولدنا من أجل القضية. تعرفين لسنا اثنان نحن اليوم شعب حر وليس يتيم، الحرية عميق الإحساس لأنه صاحب قضية
من الكتمان الرملية، زغردي يا بهية. من قبرك أنا سيد …. أملأ ملأ الصدر ذكراك، ذهبت لأعود مسترجعا ذكرياتك.
سأخبركم أن نخيل كناوة صد رياح كادت أن تشردني، أنتم لا قيود ستأسرني وتمنعني من عودتني
حصن يذكرني بالغضب الذي يسكنني تملأ في الفرح بعقد العزيمة نمشي، وفي تفاصيل العمل.
ما بين الغربة واستعادة قوته النفسية عبر ارتباطه بالماضي الذي يرسم من مخيلته جماله، يرتبط بهويته وامتداده الحضاري، بأرضه وصحرائه.
يطو أمل التائهين:
لا أحد سيقنع الحاكي بأن يطو ماتت، لن تموت، سنابل من أجل الحصول على خبز، وسيزرع وردا جديدا، لن تموتي يا بهية، سنابل كي تبقي. ينغمس في الماضي ويستحضره من أجل المستقبل،
قد كتبت التاريخ من أجلك، حاولوا إقناعه كي ينساها، ما زلت حية،
يطو لم تمت، هي حية في الوطن والقضية.الزمن غير الزمن، يطو واقفة تكتب التاريخ، لنحتفل جميعا بعودة يطو، لقد عادت… إعادة الأمل وبصيصه لكل التائهين، تجيبه يطو: أريد أن أكتب عنك، أغيل بوجهك الحزين، وهو لا يخفي عشقه الدفين … ما أجملك وأبهك
أريد أن أنثر ورودي، وهل يعود العيد عيدا لولاك.
عثرات في النص:
أحدثت بعض الهفوات ثقبا في النص، حيث ضعف التناغم بين الموسيقى وأداء الممثل، يحس المتلقي بأن النص لم يعد ملكا للحاكي، كما أن بعض الجمل لم تسمع وكأنها اختفت في جوف الملقي، والموسيقى لم ترتب بالشكل الجيد، فالنغمات لكناوية ضاعت
بالرغم من التعبير الجسدي والأداء التعبيري المتميز للبطل، وبالرغم من أن الإكسسوارات والأزياء المتداخلة التي تحيل إلى البادية الصحراوية فإن وضعية الخيام، في الركنين، يصعب معه إدراك أنها تحيل للماضي والحاضر ومحاولة المزج بينهما.
يحتاج العمل، الذي قدم في مرحلة سابقة، إلى مزيد من الدقة على مستوى الديكور والتناغم بين الموسيقى المختارة وعمق الكتابة المسرحية وأداء الممثل، وكيف يجب أن تتداخل المؤثرات البصرية والصوتية مع النص لإضفاء عمق شعوري ونفسي على العمل، ولتبرز الصراع الذي يعيشه الحاكي، مما يفرض تطويرا في المؤثرات التقنية والإبداعية.
ومهما يكن من ملاحظات طفيفة لا تؤثر على قيمة العمل المسرحي، يبقى عرض ” عودة يطو” عملا إبداعيا مميزا.
عود على بدء:
يأتي تنظيم هذه الدورة حسب المنظمين تعزيزًا للإشعاع الثقافي لمدينة الجديدة، ودعمًا لتجربة المونودراما كفضاء جمالي للتعبير الفردي، وتأكيدًا على أهمية حضور المسرح داخل النسيج المجتمعي.





