الواجهةمجرد رأي

“مسرح البدوي : حين تسمو الذاكرة الثقافية فوق الخلافات”.

بقلم:كريمة البدوي 

مهما تباينت الرؤى واختلفنا حول تقييم السياسات الثقافية وآليات تدبيرها، يبقى هناك خط أحمر وثابت وطني لا يقبل الجدال: مصلحة الوطن العليا وصون ذاكرته الجمعية. إن تراثنا الثقافي اللامادي هو ملك للمغاربة جميعًا، وإرث تاريخي يعكس هوية أمة بأكملها، وحمايته تقتضي الترفع عن الحسابات الضيقة والظرفية.

من هذا المنطلق، يبرز اسم “مسرح البدوي” ليس فقط كفرقة مسرحية، بل كصرح ثقافي ومدرسة قائمة الذات امتد عطاؤها لأكثر من سبعة عقود (74سنة) من تاريخ المغرب الحديث. إن إنصاف هذا الإرث وتثمينه اليوم هو اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على فصل القيمة الفنية الخالدة عن السجالات السياسية أو المواقف الشخصية العابرة ،
فالإبداع لا يُقاد بمقص الإقصاء.

إن الاختلاف في المواقف أو الآراء بين الفاعلين الثقافيين والفنانين والسياسيين —مهما بلغت حدته—لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يلغي أو يهمش عطاءً أفنى أصحابه أعمارهم في خدمة الركح والوطن. فالآراء تذهب مع أصحابها وتتبدل بتبدل الظروف، أما الفن الصادق فيبقى ملكًا للتاريخ وللإنسانية.

لذلك، فإن صيانة الذاكرة الفنية المغربية يجب أن تخضع لمعايير وطنية وموضوعية صارمة، بعيدًا عن أي “سياسة انتقائية” قد تُقصي مدرسة فنية رائدة بسبب مواقف فنانينها من قضايا مختلفة. المسرح المغربي تأسس على التعدد والتنوع وللترسيخ للحوار الحضاري، والتنكر لأي لبنة في هذا البناء هو تشويه لملامح هويتنا الثقافية بأكملها.

منذ تأسيس مسرح البدوي سنة 1952 على يد عميد المسرح المغربي الراحل الأستاذ عبد القادر البدوي، نجحت هذه المدرسة في جعل المسرح وسيلة للتنوير وجسرًا يربط الفن بقضايا المجتمع العميقة و بقضايا الأمة. إن أرشيف هذا المسرح—من نصوص درامية و مؤلفات و أرشيف صحفي ، وأعمال فنيةو مسرحية و تلفزيونية و إذاعية ، وصور، وأزياء—ليس مجرد أوراق مكدسة، بل هو وثيقة اجتماعية وتاريخية حية تؤرخ لتحولات المجتمع المغربي ونضاله الثقافي .

إن دعوتنا اليوم لحماية هذا التراث وتثمينه وإدماجه في المنظومة التعليمية والفنية، هي مسؤولية وطنية ملحة لا تقبل التأجيل، لحماية هذا الرصيد من التلف أو النسيان.
كما أحب أن أوضح أن استمرارية مسرح البدوي لا تعني البكاء على الأطلال، بل تعني تحويل هذا الإرث إلى قوة دافعة للمستقبل.

فالتراث المسرحي كما هو معلوم لا يقتصر على الأرشيف المادي من صور ووثائق و منتوج فني متنوع فقط، بل يشمل أيضًا المعارف الفنية وأساليب الأداء والتكوين والتجارب الإنسانية التي راكمتها الأجيال المتعاقبة من الممارسين.
لهذا حين يتعلق الأمر بالصيانة والتثمين، يجب أن تذوب كل الخلافات الإيديولوجية والسياسية لتفسح المجال لجهد وطني موحد.

لنلتف إذن جميعًا ،مؤسسات، فنانين، إعلاميين و نخب ثقافية و سياسية وجماهير حول صروحنا الفنية والثقافية العريقة، و ليبقى “مسرح البدوي” وكل المدارس الفنية الرائدة التي ساهمت في الرقي الحضاري والإنساني منارات تلهم المبدعين وشواهد حية على عراقة وقوة الثقافة المغربية .
و للحديث بقية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى