مطالب بإعطاء صاحب الجلالة تعليماته لفتح تحقيق وطني شامل حول “المخطط المغرب الأخضر” ومحاكمة المتورطين في نهب خيرات الوطن
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

منذ سنة 2008، جرى تقديم ما سُمّي بـ”المخطط المغرب الأخضر” على أنه مشروع استراتيجي لإنقاذ الفلاحة المغربية وتحقيق الأمن الغذائي وتحسين أوضاع العالم القروي. رُفعت الشعارات، وصُرفت الأموال العمومية بسخاء، وتحدثت الحكومات المتعاقبة عن “النجاحات الكبرى” و”المعجزات الفلاحية”، بينما كانت الحقيقة المرة تتشكل بصمت داخل القرى والحقول والأسواق وموائد المغاربة.
أكثر من 140 مليار درهم من المال العام ضُخت في هذا المشروع بين 2008 و2020، لكن السؤال الذي يصرخ اليوم في وجه الجميع هو: أين ذهبت هذه الأموال؟ وأين هي نتائج هذا الإنفاق الضخم الذي كان من المفروض أن يحول المغرب إلى قوة فلاحية تحقق الاكتفاء والسيادة الغذائية؟
الواقع يكشف العكس تماماً.
فالمغرب يعيش اليوم أزمة مائية خانقة، وارتفاعاً جنونياً في أسعار المواد الغذائية، وتراجعاً مهولاً في القدرة الشرائية، وتدميراً ممنهجاً للفلاح الصغير والمتوسط، مقابل تضخم ثروات كبار المستفيدين ولوبيات التصدير والمضاربات العقارية والفلاحية.
لقد تم تحويل الفلاحة المغربية من قطاع يخدم الأمن الغذائي الوطني إلى مشروع ريعي يخدم كبار المستثمرين والمصدرين.
الماء الذي هو ملك للشعب المغربي استُنزف في زراعات موجهة للتصدير، بينما المواطن المغربي البسيط أصبح عاجزاً عن شراء أبسط الخضر والفواكه المنتجة فوق أرضه.
كيف يُعقل أن بلداً فلاحياً يستورد القمح والزيوت والقطاني، بينما تُصدر موارده المائية والثروات الفلاحية إلى الخارج؟
كيف يُعقل أن الفلاح الصغير يموت بالديون والجفاف، بينما كبار المحظوظين يراكمون الأرباح والإعفاءات والدعم العمومي؟
إن المسؤولية السياسية والأخلاقية تفرض اليوم فتح نقاش وطني حقيقي حول السياسات العمومية الفلاحية والمالية، وحول طرق تدبير المال العام والثروات الطبيعية، ومساءلة كل من تحمّل مسؤولية التدبير خلال هذه المرحلة الحساسة من تاريخ المغرب.
لقد أصبح من المشروع أن يتساءل المغاربة عن دور الحكومات المتعاقبة، والأحزاب السياسية، والنقابات، وبعض المنابر الإعلامية، وكل الجهات التي اختارت الصمت أو التبرير أو التواطؤ مع واقع الاحتكار والريع واستنزاف الموارد الطبيعية والمالية للبلاد.
أين البرلمان الذي يفترض أنه يمثل الأمة؟
أين الأحزاب السياسية التي وعدت بالدفاع عن الشعب ثم تحولت عند البعض إلى أدوات انتخابية فارغة؟
أين النقابات التي صمتت عن انهيار القدرة الشرائية وتفشي الاحتكار؟
أين الإعلام الذي اختار في كثير من الأحيان الابتعاد عن ملفات الفساد الكبرى؟
وأين المؤسسات التي تتحدث عن الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة؟
إن المغاربة اليوم يريدون وضوحاً وحقيقة وعدالة، ويريدون حماية الثروة الوطنية من كل أشكال الاستغلال والاحتكار والفساد.
وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة، تتجه أنظار فئات واسعة من الشعب المغربي إلى الملك محمد السادس بصفته رئيس الدولة، من أجل الدفع نحو فتح تحقيقات جادة وشفافة حول السياسات التي أدت إلى استنزاف الفرشة المائية والمالية، وإلى تعميق الفوارق الاجتماعية وارتفاع الأسعار وتغول الاحتكارات.
كما يطالب كثير من المغاربة بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على الجميع دون استثناء، ومساءلة كل من تحمّل مسؤوليات سياسية أو نقابية أو إعلامية أو إدارية منذ سنة 2008 إلى اليوم، إذا ثبت تورطه في الإضرار بالمصلحة العامة أو التلاعب بالمال العام أو حماية اقتصاد الريع والاحتكار.
إن إنقاذ الوطن يقتضي اليوم الشجاعة في كشف الحقيقة، والجرأة في محاربة الفساد، والقطع مع الإفلات من العقاب، لأن الشعوب لا يمكن أن تثق في المؤسسات إذا غابت العدالة والمحاسبة، ولا يمكن بناء دولة قوية دون حماية المال العام والثروات الطبيعية وكرامة المواطنين.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





