مغرب السرعتين: عندما تلتهم فجوة الفوارق ثمار التنمية ويغترب الفقراء في وطن يغتني

شهد المغرب خلال العقدين الأخيرين تحولات اقتصادية واجتماعية بارزة، تمثلت في قفزة نوعية على مستوى البنيات التحتية الكبرى وجذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعات استراتيجية كصناعة السيارات والطائرات. هذا الانتعاش الماكرو-اقتصادي ساهم بشكل ملموس في رفع الناتج المحلي الإجمالي، وظهرت معالمه جلياً في تحسن مستوى عيش فئات واسعة من المجتمع، لا سيما في الحواضر الكبرى، حيث نمت أنماط استهلاكية حديثة وارتفعت مستويات الرفاهية لدى الطبقات الميسورة والمتوسطة العليا التي واكبت هذا التطور.
غير أن هذا النمو الاقتصادي المتسارع ظل محاطاً بمعادلة صعبة ترتبط بمدى عدالة توزيع ثماره؛ إذ تشير التقارير الرسمية والمؤشرات السوسيواقتصادية إلى أن الارتفاع العام في مستوى العيش أسهم، بطريقة غير مباشرة، في توسيع المسافة الفاصلة بين الطبقة الميسورة والأوساط المعوزة. هذه الفجوة تترجم واقعاً بات يُعرف بـ “مغرب السرعتين”، وهو التوصيف الدقيق الذي أقر به جلالة الملك محمد السادس في خطاباته، منبهاً إلى ضرورة أن تشمل التنمية كافة شرائح المجتمع والمناطق والمجالات الجغرافية دون إقصاء.
وتتجلى مظاهر هذه المفارقة في التباين الصارخ بين مغرب حضري عصري يرتبط بالاقتصاد العالمي ويستفيد من جودة الخدمات الحياتية، ومغرب آخر قروي أو هامشي يعاني سكانه من ضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية كالتعليم العمومي الجيد والرعاية الصحية الفعالة. ومع موجات التضخم الأخيرة وارتفاع الأسعار، أصبحت القدرة الشرائية للفئات الهشة تحت ضغط شديد، مما عمق الشعور بالإقصاء النسبي لدى الأسر التي تجد صعوبة في مواكبة الارتفاع المتزايد في تكاليف المعيشة اليومية، مقارنة بالطبقات التي تتوفر على هوامش أمان مالي تحميها.
أمام هذا الوضع، أضحى من الواضح أن الرهان على تدفق الثروة تلقائياً من الأعلى إلى الأسفل لم يعد كافياً لضمان التماسك الاجتماعي؛ وهو ما دفع الدولة إلى إعادة النظر في مقاربتها التنموية من خلال تبني “النموذج التنموي الجديد”. ويهدف هذا التوجه الراهن إلى تسريع وتيرة ورش الحماية الاجتماعية، وتعميم التغطية الصحية، وتقديم الدعم المالي المباشر للأسر المعوزة، في محاولة جادة لتقليص الفوارق الطبقية والمجالية، وضبط إيقاع قطار التنمية ليسير بسرعة متوازنة تضمن العيش الكريم لجميع المغاربة.





