24 ساعةأخبارأخبار وطنيةالواجهةلحظة تأملمجتمع

“مغرب السرعتين” في مرآة عيد الأضحى: حين تحوّل طقس الفرح إلى عبء يوجع الكرامة

إن تشخيص جلالة الملك في أحد خطاباته السامية بأن المغرب يسير “بسرعتين” لم يكن مجرد توصيف اقتصادي عابر، بل كان قراءة استشرافية دقيقة لواقع اجتماعي يتجلى اليوم بأوضح صوره وأقساها مع حلول عيد الأضحى المبارك. هذه المناسبة الدينية والاجتماعية العظيمة، التي يُفترض أن تكون موعداً للفرح والتلاحم، تحولت إلى مرآة عاكسة ومقلقة للفوارق الطبقية الصارخة في المجتمع المغربي، حيث تضعنا أمام مشهد متناقض يختزل بشكل ملموس مفهوم “المغرب ذو السرعتين”.

​في السرعة الأولى، نجد فئة من المجتمع تعيش في مغرب الازدهار، والمشاريع الكبرى، والقدرة الشرائية المرتفعة. بالنسبة لهذه الفئة، يمر عيد الأضحى كطقس سنوي واحتفالي عادي، لا تشكل فيه أسعار الأضاحي، مهما بلغت، أي عائق مادي أو عبء يذكر. في هذا الجانب من الصورة، تتوفر السيولة وتغيب مظاهر القلق، ويصبح النقاش متمحوراً حول جودة الأضحية وشروط الراحة، مما يعكس وجهاً حداثياً ومكتفياً للمملكة يسير بثبات نحو العولمة والنمو الاقتصادي.

​أما في السرعة الثانية، والأكثر بطئاً ومكابدة، فيقبع المواطن البسيط والموظف محدود الدخل والأسر الهشة. بالنسبة لهؤلاء، يأتي العيد مصحوباً بمرارة العيش وبتكلفة ترهق كاهلهم بشكل غير مسبوق، خاصة في ظل موجة التضخم وارتفاع الأسعار التي طالت كل المواد الاستهلاكية الأساسية. يجد رب الأسرة نفسه في هذه السرعة أمام معادلة مستحيلة: كيف يوفق بين إدخال الفرحة على قلوب أطفاله والحفاظ على كرامته الاجتماعية، وبين واقع مالي مرير يستنزف كل مدخراته ويغرقه في دوامة الديون والقروض التي سيمتد أثرها لشهور قادمة.

​هذا التباين الصارخ بين مغرب يملك ومغرب يكافح من أجل البقاء، يطرح علامات استفهام كبرى حول نجاعة السياسات الاجتماعية المتبعة وآليات الدعم الموجهة للفئات الضعيفة. إن اتساع الفجوة بين السرعتين بمناسبة العيد يكشف أن النمو الاقتصادي الذي تشهده البلاد لم يجد بعد طريقه للعدالة في التوزيع، وأن ثمار التنمية تتركز في قمم المجتمع دون أن تصل بالشكل الكافي إلى قاعه، مما يجعل الأزمات الدورية والمناسبات الموسمية عبئاً ثقيلاً يهدد الاستقرار النفسي والمادي لشرائح واسعة من المواطنين.

​في نهاية المطاف، يعيدنا عيد الأضحى هذا العام إلى جوهر التوجيهات الملكية السامية، والتي طالما دعت إلى إرساء نموذج تنموي منصف وإطلاق ورش الحماية الاجتماعية لتقليص الفوارق. إن تجاوز واقع “السرعتين” لم يعد مجرد ترف فكري أو خيار سياسي، بل هو ضرورة وطنية ملحة تتطلب حلولاً جذرية لحماية القدرة الشرائية للمواطن البسيط، حتى لا تتحول الأعياد والمناسبات من مصدر للبهجة والروحانيات إلى مرادف للمعانة والانكسار الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى