
في كرة القدم، كما في الحياة، لا تُقاس الأخلاق فقط بنتيجة مباراة، بل تُختبر أكثر في لحظات الخسارة، وحين يعلو صوت الجماهير أو يخفت، وما حدث في الأيام الأخيرة داخل الملاعب المغربية يقدّم مثالاً صارخاً على مفارقة قديمة متجددة: كيف يتعامل البعض مع الإحسان… وكيف يكشف الإحسان معادن الرجال؟.
ليلة أمس، وجّه الجمهور المغربي رسالة حضارية واضحة، فبرغم تصريحات البلجيكي هوغو بروس المستفزة تجاه المغرب، لم يلجأ الجمهور إلى العنف أو الإساءة، بل عبّر بطريقته المعروفة: التصفير في كل مرة ظهر فيها وجهه على شاشة الملعب، تشجيعاً للكاميرون ورفضاً لتصريحاته، وعندما خسر فريقه المباراة، غادر بروس الملعب دون أي رد فعل عدائي تجاه الجماهير المغربية، وكأن الهزيمة كانت الرد الكافي، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
مشهد مختلف تماماً عشناه اليوم مع مدرب منتخب مصر حسام حسن، فبدل أن يتعامل بهدوء مع تشجيع بعض الجماهير المغربية لمنتخب البنين — وهو تشجيع لم يأتِ من فراغ، بل كردّ فعل على تصريحات بعض الإعلاميين المصريين الذين دافعوا عن ضربة جزاء وُصفت بالخيالية في مباراة تنزانيا — اختار مدرب “الفراعنة” طريقاً آخر.
بعد نهاية المباراة، وبدلاً من التوجه للاحتفال مع لاعبيه أو الانسحاب بكرامة، توجّه حسام حسن نحو بعض الجماهير المغربية، ملوّحاً بيديه، فاتحاً فمه في حركات استفزازية لا تليق لا بتاريخ لاعب دولي سابق ولا بمدرب منتخب عريق، تصرفات حملت في طياتها قلة احترام، وتجاهلت عمداً كل ما قدّمه جمهور أكادير من دعم وتشجيع للمنتخب المصري في مبارياته السابقة.
والجميع يتذكر كيف كان الجمهور المغربي سنداً حقيقياً لمصر في مواجهاتها ضد أنغولا والموزمبيق، بل وفي المباراة المصيرية أمام جنوب أفريقيا، تشجيع صادق، مجاني، ومن القلب… دون حسابات ولا شروط، لكن يبدو أن هذا الإحسان لم يُقابل بالعرفان، بل قوبل بالاستفزاز.
كان بإمكان حسام حسن أن يتفادى كل هذا؛ كان بإمكانه أن يغادر الملعب بهدوء، أن يترك الصورة الجميلة كما هي، وأن يركّز على ما هو قادم، لكنه اختار العكس، وكأن المثل العربي القديم لم يبلغه: الإحسان لا يُسيء إلا لمن ضاق صدره به.
واليوم، ومع اقتراب مباراة ربع النهائي، تبقى كرة القدم هي الحكم الأخير، الشعب المغربي لا يحتاج إلى استفزاز ليعبّر، ولا إلى ردود فعل صبيانية ليُثبت حضوره، المدرجات ستتكلم، وبطريقتها المعروفة، وقد يكون الدرس هذه المرة أقسى مما يتوقع البعض.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نُذكّر:
«إذا أكرمتَ الكريم ملكته، وإن أكرمتَ اللئيم تمرّد».
وما أكثر الدروس التي تعلّمنا أن الملاعب ليست فقط ساحات لعب… بل مرايا للأخلاق.





