24 ساعةالواجهةجرائم وحوادث وقضايا

مقبرة الغفران: الأمطار تكشف ما أخفته سنوات من الإهمال

مقبرة الغفران: الأمطار تكشف ما أخفته سنوات من الإهمال

بقلم: سيداتي بيدا

لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفتها مدينة الدار البيضاء حدثًا استثنائيًا بالمعايير المناخية، ولا ظاهرة طبيعية غير متوقعة. غير أن ما أفرزته من مشاهد داخل مقبرة الغفران أعاد إلى الواجهة أسئلة عميقة حول أولويات التدبير الحضري، وحدود العناية بالفضاءات التي تشكل جزءًا من الذاكرة الجماعية للمدينة. فغرق القبور، وتضرر الشواهد، وصعوبة الولوج، كلها مؤشرات لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع من الإهمال التراكمي.

الدار البيضاء، التي تُقدَّم في الخطاب الرسمي والاقتصادي كقاطرة للتنمية الوطنية، وجدت نفسها في وضع محرج أمام الرأي العام. ليس لأن البنية التحتية عجزت عن استيعاب الأمطار، بل لأن موقعًا رمزيًا، يفترض فيه الحد الأدنى من الصيانة والاستباق، تُرك لسنوات دون معالجة جذرية. المقابر ليست فضاءات هامشية، بل أماكن لها حمولة إنسانية وثقافية عميقة، ويُقاس بها في كثير من الأحيان مستوى احترام المدينة لقيمها الأساسية.

ما جرى في مقبرة الغفران لا ينبغي أن يُقرأ بمنطق الاتهام، بقدر ما يستدعي قراءة نقدية هادئة ومسؤولة. فالتدبير المحلي عملية معقدة تتداخل فيها الاختصاصات، وتتقاسمها مؤسسات متعددة. غير أن هذا التعقيد لا يعفي من ضرورة التخطيط الاستباقي، خاصة حين يتعلق الأمر بفضاءات معروفة بهشاشتها البنيوية وتأثرها بالعوامل الطبيعية. إن غياب الصيانة الدورية، وضعف تهيئة شبكات التصريف، كلها عناصر تتطلب مراجعة تقنية ومؤسساتية بعيدة عن منطق التبرير الظرفي.

الأثر النفسي لما حدث لا يقل أهمية عن الأضرار المادية. فالعائلات التي تزور قبور ذويها تبحث عن الطمأنينة والسكينة، لا عن مشاهد توتر الإحساس بالفقد. من هذا المنطلق، يصبح الحفاظ على المقابر جزءًا من الحفاظ على السلم الرمزي داخل المدينة، وعنصرًا من عناصر الثقة بين المواطن والمؤسسات.

الدار البيضاء اليوم أمام فرصة لمراجعة مقاربتها لعدد من الفضاءات المنسية. مراجعة لا تقوم على ردود الفعل، بل على رؤية شمولية تُدرج المقابر ضمن منظومة التجهيزات الأساسية، وتتعامل معها باعتبارها مكونًا من مكونات المدينة لا يقل أهمية عن الطرق والساحات. فالمدن لا تُقاس فقط بما تبنيه للأحياء، بل أيضًا بما تصونه للذاكرة. وفي هذا التوازن، يُصنع مستقبل أكثر اتساقًا مع قيم الكرامة والمسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى