24 ساعةالصحراء المغربيةالواجهةمجرد رأي

ملف الصحراء المغربية على وشك الحسم: الجزائر والبوليساريو أمام خيارين لا ثالث لهما

ملف الصحراء المغربية على وشك الحسم: الجزائر والبوليساريو أمام خيارين لا ثالث لهما

يبدو أن ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة جديدة من تاريخه المعقّد، مرحلة توحي بأن الحسم بات أقرب من أي وقت مضى، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الإقليمي والدولي. فبينما يترسّخ الموقف الدولي الداعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، تجد الجزائر وجبهة البوليساريو نفسيهما أمام مأزق سياسي واستراتيجي، لا مخرج منه إلا عبر خيارين لا ثالث لهما: القبول بالحل الواقعي تحت السيادة المغربية، أو الاستمرار في عزلة تتعمّق يومًا بعد يوم.

منذ اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر 2020 بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية، تغيّر ميزان القوى بشكل جذري في هذا الملف، فقد أعاد هذا الاعتراف ترتيب المواقف الدولية، وفتح الباب أمام دول كبرى أخرى لتتبنى موقفًا واضحًا تجاه النزاع، في مقدمتها إسبانيا وألمانيا وهولندا، التي أعلنت جميعها أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع.

كما أن دعم فرنسا التقليدي للمغرب عاد ليُترجم ميدانيًا، خاصة مع استئناف التنسيق الأمني والاقتصادي، في حين تتابع دول الخليج العربي، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية والبحرين وقطر، دعمها الثابت لوحدة التراب المغربي، وهو دعم يعكس توافقًا استراتيجيًا عربيًا حول مغربية الصحراء.

هذا الزخم الدولي ترجمته أيضًا الموجة المتسارعة من فتح القنصليات الأجنبية في العيون والداخلة، والتي تجاوز عددها الثلاثين حتى الآن، من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وهي خطوة دبلوماسية اعتبرها مراقبون بمثابة “تصويت أممي رمزي” لصالح مغربية الصحراء.

في المقابل، تعيش الجزائر مأزقًا دبلوماسيًا غير مسبوق، فمنذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية مع المغرب سنة 2021 وقرارها قطع العلاقات من جانب واحد، اتضح أن استراتيجيتها في دعم جبهة البوليساريو لم تعد تجد صدىً لدى الشركاء الدوليين. فالدول الكبرى أصبحت تنظر إلى النزاع من زاوية الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والهجرة، وليس من زاوية “تصفية استعمار” كما تحاول الجزائر تسويقه.

كما أن التوترات الداخلية التي تشهدها الجزائر، في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، جعلت من قضية الصحراء ورقة خارجية لتوحيد الجبهة الداخلية، لكنها فقدت فعاليتها السياسية أمام المتغيرات الدولية التي تدفع نحو الواقعية.

بل إن الانقسامات داخل جبهة البوليساريو نفسها بدأت تخرج إلى العلن، مع تزايد أصوات داخل مخيمات تندوف تنتقد غياب الديمقراطية والفساد في قيادة الجبهة، وتطالب بحلول سلمية تضمن الكرامة والاندماج في المغرب.

المبعوث الأممي إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، يسعى منذ توليه المنصب إلى إحياء المسار السياسي المتوقف، إلا أن جولاته المتكررة في المنطقة أظهرت أن الواقعية هي الاتجاه السائد داخل أروقة الأمم المتحدة.

فمجلس الأمن، في قراراته الأخيرة، أكد بشكل واضح على “الحل السياسي الواقعي والعملي والدائم”، وهو توصيف يُطابق مضمون المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

أما الجزائر، فقد وجدت نفسها مجبرة لأول مرة على الانخراط المباشر في العملية السياسية، بعدما كانت تحاول لسنوات أن تحصر الملف في نزاع بين المغرب والبوليساريو، هذا التحول يعكس اعترافًا ضمنيًا من المنظمة الأممية بأن الجزائر طرف أساسي في النزاع لا يمكن تجاهله.

في الوقت الذي تستمر فيه بعض الأطراف في التمسك بخطاب الحرب والتهديد، اختار المغرب سياسة التنمية كأداة للحسم. فالأقاليم الجنوبية تعرف طفرة اقتصادية غير مسبوقة، بفضل المشاريع الكبرى مثل ميناء الداخلة الأطلسي، ومناطق الطاقة المتجددة، والطرق السريعة التي تربط الصحراء بباقي مدن المملكة.

هذه التنمية ليست فقط رهانًا اقتصاديًا، بل دليل ميداني على ممارسة السيادة المغربية، ورسالة إلى العالم بأن المغرب لا يدافع عن “أرض فارغة”، بل عن منطقة تنبض بالحياة والاستثمار والمواطنة.
الخياران أمام الجزائر والبوليساريو

المشهد بات واضحًا:

الخيار الأول: الانخراط الجاد في العملية السياسية، والقبول بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو حل يحظى بدعم دولي واسع ويفتح الباب أمام سلام دائم وتنمية مشتركة.

الخيار الثاني: الاستمرار في سياسة الرفض والعزلة، ما يعني فقدان أي نفوذ سياسي، وتزايد الضغط الدولي، واستمرار معاناة سكان مخيمات تندوف الذين يدفعون ثمن الجمود.

لقد تغيّر ميزان القوى في ملف الصحراء المغربية بشكل لا رجعة فيه؛ فالمغرب اليوم يقف على أرضية صلبة، تجمع بين الشرعية التاريخية، والدعم الدولي، والإنجاز التنموي، في حين تبدو الأطراف الأخرى عالقة في خطاب يعود إلى زمن الحرب الباردة.

إن اللحظة التاريخية تفرض الواقعية: إما الالتحاق بركب الحل السياسي في إطار السيادة المغربية، أو مواجهة عزلة تتسع مع مرور الوقت.

وبذلك، يصبح الحسم في ملف الصحراء المغربية مسألة وقت لا أكثر، وليس جدلًا سياسيًا مفتوحًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى