الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

منهجية قراءة التراث وتقويمه عند طه عبد الرحمن

🟦

✍🏻◾️حسن أبو هنيّة
(باحث في الفكر الإسلامي وخبير في الحركات الإسلامية).

يعد الفيلسوف الإسلامي العربي المغربي طه عبد الرحمن المفكر الأبرز في العالمين العربي والإسلامي، فقد تمكن من خلال انتاجه المعرفي الوفير ومشروعه الفكري الغزبر على مدى أكثر من نصف قرن من تجاوز النزعة المحلية والإقليمية والدخول في أفق العالمية عبر فلسفته “الإتمانية”، وتميز مشروعه الفكري بمنهجية احترافية نقدية رفيعة عز نظيرها لدى المفكرين والمثقفين الآخرين، تقوم على نبذ آفة “التقليد” بمختلف صوره وأشكاله، والأخذ بنهج “الإبداع ” الذي بستند إلى مبدأ التأثيل عوضاً عن التأصيل في بناء وتأسيس المفاهيم، ولا غرابة في ذلك فهو الفيلسوف والمنطقي الذي درس وخبر وتمكن من معرفة خفايا ومزايا وعيوب التقاليد والممارسات الخطابية للتراث الإسلامي والحداثة الغربية، واطلع على مظاهر آفة التقليد ونتائجها الخطيرة التي تقوض فعل التفكير وتسلب طاقة الإبداع.
بدايات مشروع طه عبد الرحمن ومنطلقاته
ينطلق طه عبد الرحمن في مشروعه الإبداعي النقدي من فكرة جوهرية بلورها نهاية ثمانينيات القرن الماضي في مقدمة كتابه التأسيسي “العمل الديني وتجديد العقل” قوامها المساهمة في التأسيس النظري لليقظة الدينية من خلال عملية بناء وتركيب يقوم سندها الفكري والفلسفي المؤسس على الفكر العلمي المحرر على شروط العقلانية المعاصرة، وتخليصها من آفة الغلو في الاختلاف، وتهيئتها للدخول في التجربة الإيمانية الحية التي تحمل الإنسان على الترفع عن النزاعات والصراعات المذهبية الضيقة.
فحركة التجديد الإسلامية المعاصرة تفتقد إلى “تبصير فلسفي مؤسس”، ولا بد من الشروع في عملية التجديد المنتظر من الأمة الإسلامية بتحقيق شرطيها الأساسيين وهما: شرط الدخول في التجربة الإيمانية التي تمكن من النفاذ إلى عمق الذات للوصول إلى عملية التخلق، وشرط مباشرة التعقل المبني على استيعاب أدوات النظر المنهجي الذي يمكن من تجدد السند العقلي، فبدون هذين الشرطين لا سبيل إلى بناء فكر ديني متجدد يتسم بخاصية الشمول والتكامل، فالعقلانية الأسمى لا يمكن الظفر بها من خلال المقاربات الاختزالية التفاضلية والتجزيئية لمعطيات الفكر والعقيدة الإسلامية.
تكشف منهج طه عبد الرحمن الإبداعي‏ الفريد في دراسة وتقوبم التراث منتصف التسعينيات بالتوسل بالمقاربة المنطقية أو التداولية في تقويم التراث، بالتركيز على نهج المناظرة والحوار باعتباره منهجية تداولية تراثية حداثية. ويتجلى ذلك بوضوح في كتابه “تجديد المنهج في تقويم التراث‏” الذي خصه بدراسة نقدية واعتراضية على الانتاجات الفكرية العربية الحديثة والمعاصرة التي تناولت التراث العربي الإسلامي، ولا سيما كتابات محمد عابد الجابري، فالمشروع التجديدي الذي وضعه طه عبد الرحمن مشغول بتحرير المثقف العربي من حالة الاغتراب والاستلاب التي هيمنت على وعي المثقفين وتوجهاتهم الفكرانية كطليعة موجهة للجماهير العربية، ومحددة لمسار الوعي، وذلك بتخليص الذهن العربي من قوالب وأنماط الفكر الغربي والخروج من آفات التقليد والجمود والقصور، للوصول إلى غاية التحقق بالإبداع والتحرر والاستقلالية، والتخلص من عقدة الدونية والنقص، وذلك بإدراك وهم خرافة الكونية وأسطورة أيديولوجية التقدم، والتفريق بين واقع الحداثة وروحها، فالمفاهيم الفلسفية المنقولة من الفضاء الفلسفي الغربي، هي نتاج الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي نشأت وتطورت فيها هذه المفاهيم، وهو ماغاب إدراكه عن مجمل المثقفبن العرب، الذين تبنوا نهج القطيعة مع التراث العربي الإسلامي كشرط للدخول في أفق الحداثة الغربية باعتبارها ظاهرة عالمية وكونية تستند إلى مبدأ التاريخ الإنساني الكلي الشامل.
أسس فهم التراث وتقويمه
ينطلق مشروع طه عبد الرحمن في فهم وتقويم التراث من خلال الكشف عن الملابسات والأسباب التاريخية التي دفعت بالمثقفين العرب إلى حالة من العصاب الجماعي سخرت طاقاتها في نقد التراث، والذي انفجر على نحو غير مسبوق بعد هزيمة الأمة العربية في حرب حزيران 1967 أمام العدو الصهيوني في غضون ستة أيام فقط، فبدلاً من البحث عن أسباب الهزيمة الحقيقية وعللها المادية والعسكرية المباشرة ،اشتد الصراع الثقافي واحتدم السجال الفكراني (الأيديولوجي)، وعاد الفكر العربي إلى طرح السؤال الكلاسيكي الذي طرحه أمير البيان شكيب أرسلان : “لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا ؟”، وقد تعددت الإجابات والمقاربات والسجالات، لكنها انقسمت بين نهجين نقيضين، أحدهما حملّت الهزيمة للتراث العربي الإسلامي الذي يهيمن على بنية ومكونات العقل العربي والعقل الإسلامي، والثانية فسرت الهزيمة بسبب التخلي عن التجربة الإسلامية وعدم التمسك بكلية التراث، وقد انتقد طه عبد الرحمن المسلكين بتحديد أسباب التخلف والتقدم، وطالب بالخروج من آفة التقليد التي ابتُلِي بها الفكر العربي والإسلامي وحالت دون معانقة فعل الإبداع الذي بات بمنزلة “الفريضة الغائبة” التي أوقعت المثقف العربي في علة الاتباع بدلا من مطلب التجديد والإبداع.
ينطلق طه عبد الرحمن من مسلمة بدهية تنص على أن مطلب إعادة النظر في التراث وتجديده لا تقع في مجال الاختيار والترف الفكري، ذلك أن التراث لا يمكن الانفكاك عنه فهو يشكل أحد أجزاء ومكونات الذات والكينونة العربية الإسلامية، فحسب طه عبد الرحمن “نحن في التراث كما نحن في العالم لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه”، فالتراث ببعديه الإنساني عموما والقومي خصوصا هو قدر الذّات العربية والإسلامية وجودا ووجدانا، ولا طائل من مطالبات القطع عنه. ولذلك فإن التعامل مع التراث يقتضي تحرزا وضربا من الخصوصية في التعامل، يقوم على أسس ابستمولوجية نقدية وأبعاد ايتيقية أخلاقية، إذ ينتقد طه عبد الرحمن جملة المثقفين العرب ممن ذهب الى أن التمسك بالتراث وتقديس الماضي هو سبب التخلف والهزيمة، فهولاء المثقفون شددوا على ضرورة نقد تراث الإسلام والتخلص منه ورموه بالتخلف والرجعية، وأكدوا على أهمية التعلق بتراث الآخر الغربي بزعم الالتحاق بركب الحداثة والتقدم.
فالسبيل الوحيد للنهضة حسب رأيهم هو بالقطيعة مع هذا التراث وتعويضه ببدائل أيديولوجية حديثة ساهمت في نهضة الغرب وتقدمه، وكان المفكر المغربي عبد الله العروي من أوائل المفكرين العرب الذي كتب كتابا عقب الهزيمة مباشرة تحت عنوان”الإيديولوجية العربية المعاصرة” دعا فيه الى تبني ما أسماه بالماركسية الموضوعية والقطيعة مع التراث، ومنهم من ذهب مع محمد عابد الجابري الى نقد بنية العقل العربي والسعي الى عقلنة الفكر العربي المعاصر عن طريق عقلنة التراث، وذلك بإبعاد محتواه الميت والإبقاء على الأيديولوجية التي تناهض التواكلية والغنوصية والإقطاعية وتشييد مدينة العقل والعدل ومدينة العرب المحررة الديمقراطية والاشتراكية، وتبعهم ثلة من المفكرين مثل: الطيب تيزيني، وحسين مروة، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وغيرهم.
قصور منهجيات ومقاربات تقويم التراث
يذهب طه عبد الرحمن إلى أن الدراسات الفكرية التي تبنت تقويم التراث لم تنطلق من منهجية حوارية تداولية. ومن ثم لم تراعِ مقتضيات التراث النظرية والعملية، بل تعاملت، في عمومها، مع التراث من منظار انتقائي تجزيئي تفاضلي، وقد عمل طه عبد الرحمن على نقد العقلانية الفكرية التي تتحكم في نقد المفكرين العرب للتراث وخصوصاً الجابري، كما تتجسد في كتبه نحن والتراث، وتكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي والتراث والحداثة، وذلك بالتركيز على البنى المنطقية والتداولية التي توسل بها الجابري في تعامله مع التراث العربي الإسلامي، ورغم اختلاف المناهج والمقاربات في تناول التراث، والاختلاف في منهج القراءة والتأويل، فهي تشترك في كونها اعتمدت على معالجات ومقاربات جزئية للتراث، فهي حسب طه عبد الرحمن، أسقطت مفاهيم منقولة من التراث الفكري للغرب جرى نقلها دون تمحيص ولا تبْيِئة، ودون مراعاة للمقتضيات الأساسية التي يفرضها المجال التداولي العربي، والتي تشمل العقيدة واللغة والمعرفة.
فما دام المسلم يحمل في صدره هم الهوية أو هم الذات فلا بد أن يرجع الى تراثه، لأن علاقته به علاقة اضطرارية لا علاقة اختيارية، فما أن تصبح هويته مهددة أو مبتلاة حتى تجده يسرع الى التراث يتلمس فيه القوة والمناعة، أما الآخر الذي يدعو الى الكف عن التراث والقطع معه باسم الحداثة والى المعرفة كما سواها الغرب الغالب، فان هذه الدعوة لا تعدو أن تكون استبدال التراث العربي والإسلامي بتراث أجنبي، لأن المعرفة الحديثة سندها في التراث الغربي، وتبقى حاملة لسماته، ولو حاولت أن تتلبس بالموضوعية والعلمية والعقلانية، لأن هذه المعايير نفسها ما هي إلا قيم أنتجها هذا التراث الأجنبي، وليس لها من الشمولية والكونية إلا ما لهذا التراث نفسه.
إن الأخطاء التي وقع فيها المشتغلون بالتراث تتجلى بالوقوع في التجزيئية وتغليب الاشتغال بالمضامين على حساب الآليات، إما بالتحديث أو الاستصلاح أو التنقية تحت ضغط الاستعجال الثقافي والسياسي الظرفي، بينما الدراسة التي يدعو إليها طه عبد الرحمن، تقوم على نظرة تكاملية للتراث، بنظرة معرفية تستهدف كشف الآليات والوسائل التي تم بها إنشاء هذه المضامين وتبليغها وتقويمها، اعتقادا منه، أن الحكم على المضمون حتى يسبقه البحث في الوسيلة التي وُضع ونُقل بواسطتها، وكل حكم لا يتقدمه هذا البحث لا يعدو أن يكون إلا حكما غير تام أو غير صحيح، أما الآليات والوسائل التي اعتمدها طه عبد الرحمن، فهي آليات منقولة مأخوذة من تراثات أخرى سواء كانت قديمة أو حديثة، وآليات مأصولة من داخل التراث العربي نفسه حرصا على استيفاء الاقتضاء المنطقي الذي يجب أن يكون المنهج فيه مستمدا من الموضوع ذاته لا مسلطا عليه من خارجه.
كيف نُجّدد النظر في التراث؟
ويتسائل طه عبد الرحمن تحت عنوان: “كيف نُجدّد النظر في التراث؟”، بالقول إن السؤال عن كيفية تجديد النظر في التراث يقتضي الابتداء بإعادة النظر في المفاهيم التي يتضمنها هذا السؤال، حتى نتبين أن معنى تجديد النظر هو أساس إحداث الانقلاب في النظر؛ وإذّاك، تكون الإجابة على هذا السؤال هي أن تجديد النظر في التراث يقتضي إحداث انقلاب في النظر السابق في التراث.
يبين طه كيف أن النظر التكاملي الذي أخذ به يُحقق انقلاباً في النظر السابق، ذلك أنه ينبني على مبادئ وطرق تقابل المبادئ والطرق التي انبنى عليها هذا الأخير؛ حيث تولى النظر القديم الاشتغال بالمضامين مقابل تولي النظر الطاهائي الاشتغال بالآليات، كما استعمل النظر الجديد المناهج المأصولة، في حين استعمل النظر القديم المناهج المنقولة، والتزم النظر القديم بمقتضى العقلانية المجردة، بينما التزم النظر الطاهائي بمقتضى العقلانية العملية، وأخيراً استخرج النظر الطاهائي آليات التكامل بين أجزاء التراث، حيث تولى النظر القديم تفريق هذه الأجزاء تفريقاً، فكان النظر التكاملي، بذلك، تجديداً حقيقياً، من خلال الأصول الثلاثة، التي حددها بـ “التداول” و”التداخل” و”التقريب”، بخلاف أصول النظرة التجزيئية للتراث، وهذه الأصول الثلاثة، تتكون من ثلاثة أركان؛ فأركان التداول هي الاشتغال العقدي والاستعمال اللغوي والإعمال الفكري؛ وأركان التداخل هي التداخل الداخلي والتداخلي الخارجي القريب والتداخل الخارجي البعيد، وأخيراً، أركان التقريب هي التشغيل العقدي والاختصار اللغوي والتهوين المعرفي.
وضع طه عبد الرحمن قواعد منهجية بديلة تنزل بمثابة قواعد عامة تمثل “أمّهات القواعد” تنضبط بها ممارسة الاشتغال على التراث، وتتمثل في:
1. وجوب الاهتمام بالمناهج التراثية كما الاهتمام بالمضامين، خاصة وأنّ النّص التراثي غني بمثل تلك الآليات والمناهج لغوية كانت أم منطقية.
2. على المناهج المُستجدة أن تكون إغناء لمناهج التراث بتحديث إجراءاتها لا استغناء عنها بطمر وطمس معالمها.
3. تمحيص الآليات المقتبسة من التراث الأجنبي قبل تنزيلها على التراث الإسلامي العربي.
4. التنقيح والتلقيح المزدوج للمناهج بحيث لا يكون ذو اتجاه واحد، أي تنقيح وتلقيح المناهج الغربية بالمناهج العربية والإسلامية مثلما زيِّن للبعض تنقيح المنهج الإسلامية بالمناهج الغربية ولما كانت الآليات المجردة التي توسّل بها أهل الاشتغال الفلسفي الراهن، لم تستوفي شرط النظر التكاملي للتراث، وذهبت في المقابل إلى تجزئته إلى شرائح معرفية، بل وتمادت في إحداث تفاضل بين تلك الشرائح، حيث يكون الأقرب إلى العقلانية الحديثة هو الأكثر فضلا والأعز مكانة، أمام كلّ هذا، اجتهد طه في تقويم مغاير مستوفيا شروط النظر التكاملي للتراث، وذلك عبر اشتغالين اثنين؛ الاشتغال بآليات التداخل المعرفي والاشتغال بآليات التقريب التداولي.
تأتي مساهمة طه عبد الرحمن من زاوية استثمار الفتوحات والمكاسب المنهجية، فالنظر التكاملي والاشتغال بآليات التداخل المعرفي يتقوم وفقا لمبدأين اثنين؛ الأول: مبدأ تداخل العلوم التراثية فيما بينها: “اعلم أنّ التداخل تداخلان اثنان: أحدهما داخلي يحصل بين العلوم التراثية الأصلية، بعضها مع بعض؛ والثاني، خارجي يحصل بين هذه العلوم وغيرها من العلوم المنقولة. والثاني: مبدأ تقريب العلوم المنقولة إلى المجال التداولي الإسلامي: “واعلم أنّ التقريب هو أيضا تقريبان اثنان: أحدهما؛ نظري يتعلق بتصحيح العلوم النّظرية المنقولة وتكييفها بحسب محددات المجال التداولي، والثاني؛ عملي يتعلق بتنقيح العلوم العملية المنقولة وتوجيهها بقتضى موجهات هذا المجال.
أما النظرة التكاملية والاشتغال بآليات التقريب التداولي، فتقوم على أن التقريب “هو وصل المعرفة المنقولة بباقي المعارف الأصلية أو قل بإيجاز… جعل المنقول مأصولا”. وهذا النقل وهذا التأصيل يشترط وجود مجالين فأكثر باعتبار أنّ “المأصول هو ما تحقق وصله بأصل مخصوص”، فالمجال التداولي يُعد الدّعامة الأساسية لنظرية تكامل التراث، فهذا المجال قائم على دعوى “التداول الأصلي” ونصُّها؛ “لا سبيل إلى تقويم الممارسة التراثية ما لم يحصل الاستناد إلى مجال تداولي متميز عن غيره من المجالات بأوصاف خاصة ومنضبط بقواعد محددة يؤدي الإخلال بها إلى آفات تضرُّ بهذه الممارسة”.
يتأسس المجال التداولي حسب طه على ثلاثة أسباب تنهض بشرط التفاعل والتواصل بين الوافد والأصيل من المعارف والعلوم؛ أسباب لغوية: كون اللّغة أقوى أداة تواصلية يتفاعل بمقتضاها المتخاطبون، ويكون التبليغ أفيد والتأثير أشد قدر ألفة اللّغة إليه واتصالها بزاده اللّغوي. و أسباب عقدية: ذلك أنّ الصّبغة العقدية هي من أصبغت التراث سعة وثراء، فهو مبثوث في كل ممارسة تراثية، ولا تقويم ينفك عن هذا السّبب. ثم أسباب معرفية أو عقلية: بمعنى أنّ ما يتناقله المتخاطبون بلغتهم وما يتعلمونه بموجب عقيدتهم هي عبارة عن مضامين دلالية وطرق استدلالية، إذ المعرفة هي موضوع ومضمون التفاعل والتواصل.
تكامل مشروع طه عبد الرحمن
تشكلت المحطة الأولى لانطلاقة طه عبد الرحمن في ثمانينيات القرن الماضي من خلال تدشين منهج تكاملي في نقد التراث، ومع بداية عقد التسعينيات اشتغل على نقد الحداثة الغربية على أسس أخلاقية إسلامية، وكان في منتصف التسعينيات قد أعلن عن مشروعه الفلسفي “فقه الفلسفة”، وكان هاجسه الأول هو الإبداع الفلسفي، نظرًا لغلبة التقليد حسب عبارته على الفضاء الفلسفي العربي، وليس “فقه الفلسفة” كلّه إلا إجابة عن السؤال: كيف نحقق الإبداع الفلسفي؟ إذن فقه الفلسفة ليس الفلسفة، بل الطريق الذي يوصل إلى الإبداع الفلسفي، فهو علم الفلسفة أو فلسفة الفلسفة، أو “علم أصول الفلسفة” أو “علم النظر في الفلسفة”. فموضوعه هو: “الظواهر الفلسفية بوصفها وقائع واردة في لغات خاصة، وناشئة في أوساط محدّدة، وحادثة في أزمان معيّنة، وحاملة لمضامين أثّرت فيها عوامل مادية ومعنوية مختلفة”.
ومنهج فقه الفلسفة يتصف بالتكامل والتداخل ويستمدّ عناصره من آفاق معرفية متنوعة؛ لأنه ينظر في صيغ أقوال الفيلسوف ومضامينها، كما ينظر في أفعال الفيلسوف، وبين عامي 2000 – 2006 اشتغل طه على سؤال الأخلاق والحقّ في الاختلاف وروح الحداثة، وصدر له: “سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية”، و”الحق العربي في الاختلاف الفلسفي”، و”الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري”، و”روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية”.
بعد عقود من البحث والخبرة، في درس التراث العربي الإسلامي والحداثة الغربية، دشن طه عبد الرحمن منظوره الاجتهادي التجديدي، وبلور فلسفته الخاصة بعد أن أصدر عام 2011 كتابه “روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”، مؤذنًا بميلاد توجّه فكري جديد أطلق عليه الفلسفة “الائتمانية”، وكرّس لهذا التوجّه أعماله اللاحقة مثل: “بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين”، و”شرود ما بعد الدهرانية: النقد الائتماني للخروج من الأخلاق”، و”دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني” في ثلاثة أجزاء، و”سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية”، و”ثغور المرابطة مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية”، و”المفاهيم الأخلاقية بين الائتمانية والعلمانية” في جزءين، و”التأسيس الائتماني لعلم المقاصد”.
تعد “الائتمانية” الطور الأكمل في فلسفة طه عبد الرحمن، وهي محاولة لتأسيس فلسفة إسلامية “خالصة” تنبني على العقل المؤيد، وتستمد عقلانية التأييد من الأصول الإسلامية، وتتضمن ثلاث فلسفات هي: فلسفة الأمانة، وفلسفة الشهادة، وفلسفة التزكية. وتختلف الائتمانية عن الفلسفة الإسلامية التقليدية، وعن الفلسفة “العلمانية” الغربية، التي تتوسّل بـالعقل المجرّد، فحسب طه من يوصفون بفلاسفة الإسلام لم يخرجوا عن مقتصى الفلسفة اليونانية القائمة على العقلانية المجرّدة، وتتحلى الفروقات بين الفلسفة التقليدية والفلسفة الائتمانية من خلال المقارنة بين مبادئهما: فالأولى تقوم على مبدأ الهوية والثالث المرفوع وعدم التناقض، وفي المقابل تقوم الائتمانية على مبدأ الشهادة ومبدأ الأمانة ومبدأ التزكية. وبهذ فإن طه عبد الرحمن يكون قد وضع الأسس التكاملية في التعامل مع التراث على اختلاف تجلياته النقليدية والحداثية من خلال التوسل بمنهج علمي محرر على أسس ابستمولوجية معرفية وإيتيقة أخلاقية لا نظير لها، تتسم بالإبدع والاستقلال والتحرر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى